نباتات جزيرة داروين تقدّم دليلًا حيًا على التطور في الزمن الحقيقي

كشفت دراسة جديدة كيف طوّرت مجموعة مدهشة من النباتات في جزر غالاباغوس تنوعًا كبيرًا في أشكال أوراقها، ما يقدّم رؤى فريدة حول التطور على المستوى الجيني. درس فريق دولي كبير من الباحثين التطور في جنس سكالسيا (Scalesia)، المعروف أيضًا باسم الأقحوانات العملاقة في غالاباغوس. نُشرت الدراسة مؤخرًا في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications).

شارك في الدراسة باحثون من الحدائق النباتية الملكية في كيو، وجامعة كاليفورنيا في ديفيس، وجامعة كوبنهاغن، ومؤسسة تشارلز داروين في غالاباغوس، وجامعة جورجيا في أثينا، وجامعة كولومبيا البريطانية، وعدّة مؤسسات أخرى.

مرشد في متنزه غالاباغوس الوطني يبحث عن نباتات السكالسيا في جزيرة سانتا كروز بجزر غالاباغوس. المصدر: مايكل مارتن، الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU).
مرشد في متنزه غالاباغوس الوطني يبحث عن نباتات السكالسيا في جزيرة سانتا كروز بجزر غالاباغوس. المصدر: مايكل مارتن، الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU).

تحتل جزر غالاباغوس مكانة أيقونية في تاريخ علم الأحياء التطوري. عندما هبط تشارلز داروين على شواطئها عام 1835، خلال رحلته على متن سفينة بيغل (HMS Beagle)، جمع طيوراً أحضرها لاحقاً إلى إنجلترا، ظنًا منه أنها عصافير دوري، ونقّارات خشب، شرشوريات، وقرقف واحد، لكنه اكتشف سريعاً أنها كلها شرشوريات وثيقة الصلة، تختلف أشكالها حسب تكيّف مناقيرها مع أنظمة غذائية متنوعة.

أصبحت هذه الشرشوريات الدليل الأساسي لنظرية داروين في التطور عبر الانتقاء الطبيعي التي توضح كيف تتكيّف الأنواع وتتغير حسب البيئات التي تعيش فيها.

يقول البروفيسور مايكل د. مارتن من متحف الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا:

«بعد أكثر من 150 عامًا على عمل داروين في غالاباغوس الذي غيّر فهمنا للحياة على الأرض، لا تزال هذه الجزر تكشف عن جوانب جديدة من علم الأحياء».

أوراق مسننة لنبات سكالسيا ذات الرؤوس الشعاعية (Scalesia affinis). المصدر: مايكل مارتن، متحف الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا.
أوراق مسننة لنبات سكالسيا ذات الرؤوس الشعاعية (Scalesia affinis). المصدر: مايكل مارتن، متحف الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا.

تطور سريع على نحو غير معتاد

توضح فانيسا بيكر، الباحثة في الحدائق النباتية الملكية في كيو والمؤلفة الأولى للدراسة: «تمامًا مثل شرشوريات داروين الشهيرة، تطورت هذه النباتات بسرعة بعد وصولها إلى غالاباغوس من البر الرئيسي لأمريكا الجنوبية».

يُعد جنس سكالسيا حديث النشأة تطوريًا؛ فجميع الأنواع الموجودة اليوم ظهرت خلال المليون سنة الماضية. مع ذلك، تمكنت هذه النباتات من التكيف مع نطاق واسع من البيئات الموجودة عبر الجزر، من الغابات المرتفعة الكثيفة والرطبة إلى الأراضي المنخفضة الجافة والمفتوحة.

يقول مارتن: «تختلف أشكال هذه الأنواع اختلافًا كبيرًا، من شجيرات قزمية إلى أشجار شاهقة. وأوراقها التي تمتد من كبيرة متماسكة الحواف إلى صغيرة مفصّصة بعمق، هي أبرز ما يلفت النظر فيها».

تُساعد الأوراق المفصّصة، ذات الحواف المعقّدة والمسننة أحيانًا، النباتات على النجاة في البيئات الحارّة الجافّة من خلال تقليل مستويات فقدان الماء وتبديد الحرارة. لكن، وحتّى الآن، لم يصل الباحثون لإجابة نهائية حول كيفية تطور هذه السمّة الحاسمة على المستوى الجيني في هذه النباتات.

عينة معشبية لنباتات سكالسيا المحززة جمعها تشارلز داروين خلال رحلة البيغل في جزر غالاباغوس بين عامي 1831 و1836. المصدر: مرفق معلومات التنوع الحيوي العالمي (GBIF)، مجموعة النباتات المعشبة في جامعة كامبريدج (CGE)، بترخيص CC BY-NC 4.0.
عينة معشبية لنباتات سكالسيا المحززة جمعها تشارلز داروين خلال رحلة البيغل في جزر غالاباغوس بين عامي 1831 و1836. المصدر: مرفق معلومات التنوع الحيوي العالمي (GBIF)، مجموعة النباتات المعشبة في جامعة كامبريدج (CGE)، بترخيص CC BY-NC 4.0.

مسارات تطورية متعددة لنفس شكل الورقة

من خلال تحليل الجينومات الكاملة لجميع أنواع السكالسيا المعروفة، اكتشف الباحثون أن الأوراق المفصصة تطورت عدة مرات، وفي كل مرة ضمن أجزاء مختلفة من الشجرة التطورية لجنس سكالسيا.

تقول بيكر: «تمثل الأمر الأكثر إثارة للدهشة بأن هذه السمة اعتمدت، في كل مرة تطورت فيها، على جينات مختلفة، مع أنها تنتمي للنظام الحيوي نفسه الذي يتحكم بتطور الأوراق».

يعد هذا مثالاً نموذجيًا على التطور المتوازي، إذ تصل الطبيعة لنفس الحل مرات عديدة عبر مسارات جينية مختلفة. فبدلاً من الاعتماد على مورّثة رئيسية واحدة، يعتمد التطور على شبكة كاملة من الجينات المتفاعلة، فيُعدّل مكوّنات مختلفة ليُنتج نتائج متشابهة، ما يمنح للباحثين فهمًا مهمًا لكيفية نشوء الصفات المعقدة مرارًا وتكرارًا في الطبيعة.

التطور لا يزال مستمرًا

بالإضافة إلى تفسير تطور هذه النباتات، توصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أن التطور ما زال مستمرّاً.

يقول مارتن: «تظهر التجمعات السكانية داخل النوع الواحد اختلافات جينية كبيرة، بعد عزلة طويلة عن بعضها البعض. ما يعني أن أنواعًا جديدة قد تكون في طور التشكّل. وقد تمثل العديد من تجمعات سكالسيا سلالات تطورية متميزة لم تُوصَف رسميًا بعد».

لذلك يُوصي الباحثون بمعاملة كل تجمع معزول كـوحدة مستقلة، وهو تحوّل قد يغيّر استراتيجيات حماية غالاباغوس مستقبلاً.

تُوثّق الدراسة بالتفصيل كيف يتحوّل نوع واحد بسرعة إلى أشكال متعدّدة مختلفة.

تقول بيكر: «تُبرز نتائجنا مرونة التطور وإبداعه». وأضافت: «جمع داروين نباتات عديدة من غالاباغوس، استُخدم 78 منها لوصف أنواع جديدة، منها 4 أنواع سكالسيا».

ترجمة: علاء شاهين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *