مع تسارع الاحتباس الحراري العالمي، تتسبب موجات الحر الشديدة في هلاك الشعاب المرجانية الاستوائية بشكل واسع النطاق. وتعتمد معظم الشعاب المرجانية على خلايا طحلبية مجهرية تعيش داخل أنسجتها، تقوم بعملية التركيب الضوئي وتنتج الطاقة. وتستخدم الشعاب هذه الطاقة لبناء هياكلها الكلسية التي تُشكل البنية الأساسية للشعاب المرجانية.
في عالمنا الآخذ في الاحترار، سيغدو تطور القدرة على تحمل موجات الحر أمرًا حاسمًا لاستمرار تجمعات الشعاب المرجانية. يحدث التكيف الطبيعي عبر أجيال عديدة، ومن المرجح أن يكون قد بدأ بالفعل. غير أن معدلات هذا التكيف قد لا تواكب الوتيرة المتسارعة لارتفاع حرارة المحيطات.

يدعو العلماء وإداريو محميات النظم البيئية للشعاب المرجانية اليوم إلى تطبيق ما يُعرف بـ «التطور المُساعَد» بهدف تسريع وتيرة التكيف. ويعد الانتخاب الاصطناعي (التربية الانتقائية) من الأساليب الواعدة في هذا السياق لتعزيز القدرة على تحمل موجات الحر.
تستكشف دراستنا الجديدة كيف يمكن لمثل هذه التدخلات أن تساعد الشعاب المرجانية على الصمود في وجه موجات الحر المستقبلية.
من خلال دراسة الجينات والخصائص الوراثية التي تجعل الشعاب المرجانية أكثر قدرة على تحمل الحرارة، إلى جانب سمات مهمة مثل النمو ومخزون الطاقة والتكاثر، تُظهر نتائج العمل ما يمكن للتطور أن يفعله لمساعدة الشعاب المرجانية على التكيف مع الإجهاد الحراري الشديد، وما هي حدود هذه القدرة أيضًا. ويركز هذا العمل على مجموعة من الشعاب المرجانية المُرباة في الأسر، نجحنا في تنميتها على مدى ثماني سنوات في أرخبيل بالاو الواقع في غرب المحيط الهادئ.
يمكن لعلم الوراثة الكمية أن يسلط الضوء على السمات المعقدة مثل النمو وتحمل الحرارة، وهي سمات تتحكم فيها عادة مئات إلى آلاف الجينات. وتساعد هذه الأدوات في تعظيم الاستجابة التطورية للانتخاب، وقد استُخدمت منذ زمن طويل في الزراعة وتربية الحيوانات، من المحاصيل التي نتناولها إلى الكلاب التي نربيها في منازلنا.
ويقوم هذا المجال على مفهومين أساسيين: «القيمة الوراثية» التي تعبر عن مدى جودة الفرد كمرشّح للتكاثر، و«الارتباطات الوراثية» التي توضح كيفية اشتراك السمات المختلفة في أساسها الوراثي.
يتطلب قياس هذه القيم الوراثية قياس سمات معينة مثل قدرة الشعاب المرجانية على تحمل الحرارة، إضافة إلى جمع معلومات عن درجة القرابة بين الأفراد، كالأشقاء وأنصاف أشقاء. مع ذلك، يصعب قياس وتقدير هذه الأمور في الشعاب المرجانية البرية، لأنها تنتشر على نطاق واسع، وغالبًا لا توجد صلة وراثية واضحة بين فرد وآخر في نفس الشعاب.
أما مجموعتنا المُرباة في الأسر، التي تضم أفرادًا ذات قرابة وأخرى غير مرتبطة بصلة قرابة، فتوفر فرصة نادرة لتطبيق علم الوراثة الكمية على الشعاب المرجانية البالغة.
تخيل أن تتسبب موجة حر شديدة في نفوق واسع للشعاب المرجانية. أي الشعاب ينبغي اختيارها للتكاثر أو التربية؟
قد يبدو اختيار أحد الناجين أمرًا بديهيًا، غير أن النجاة وحدها لا تضمن وجود استعداد وراثي لتحمل الحرارة. فقد ينجو أحد الشعاب بالمصادفة، فمن الممكن له أن يكون قد نشأ في منطقة مظللة أو أن يمتلك احتياطيات طاقة أعلى، بينما هلكت أقاربه. واختيار مثل هذه الأفراد للتكاثر لن يحسن قدرة الأجيال القادمة على تحمل موجات الحر.
لكن، إذا لوحظ أن عائلات كاملة تميل إلى النجاة أو الهلاك معًا، فيشير ذلك إلى وجود أساس وراثي لتحمل موجات الحر. وفي مثل هذه الحالات، يمكن لاستخدام علم الوراثة الكمية أن يساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الأفراد المختارة للتكاثر.
لكن، في غياب موجات حر طبيعية، كيف يمكن تحديد الشعاب المناسبة بشكل استباقي؟ هنا نحتاج إلى «سمة بديلة» سهلة القياس ومرتبطة وراثيًا بقدرة الفرد على النجاة من موجات الحر، وبالتالي تقييم قيمته الوراثية.
اختبرنا تحمل الشعاب المرجانية للحرارة تحت أربعة أنماط مختلفة من التعرض الحراري، تراوحت بين تعرض طويل استمر لشهر عند 32.5 درجة مئوية، وصدمة حرارية سريعة بلغت 38.5 درجة مئوية.
تتجاوز هذه الدرجات التجريبية العالية ما يحدث في الطبيعة. ومع ازدياد شدة الظروف المحاكاة، وجدنا أن الارتباطات الوراثية مع البقاء خلال موجات الحر البحرية تصبح أضعف تدريجيًا. وتشير هذه النتائج إلى أن سمات تحمل الحرارة تنضوي على آليات بيولوجية متمايزة إلى حد ما، ما يجعل اختيار السمة المناسبة أمرًا بالغ الأهمية. فاختيار سمات بديلة غير مناسبة لن يؤدي إلى تحسين القدرة على النجاة من موجات الحر.
لكن التكيف لا يقتصر على تحمل الحرارة وحده. فالنمو الفردي، ومخزون الطاقة، والتكاثر، كلها عناصر أساسية للحفاظ على تجمعات من الشعاب المرجانية تعيش في حالة صحية ومستقرة. وقد تهدّد زيادة قدرة الشعاب المرجانية على تحمل الحرارة على حساب هذه السمات استمراريتها ووجودها على المدى الطويل. وما يبعث على التفاؤل أننا لم نرصد أي ارتباطات وراثية سلبية بين السمات التي درسناها.
مواءمة الضغوط المستقبلية
لدراسة كيف يمكن لـ«التطور المُساعَد» أن يعزز تحمل الشعاب المرجانية للحرارة مع مرور الزمن، قمنا بتطوير نموذج محاكاة حاسوبي. وأظهرت النتائج إمكانية بلوغ مستويات تحمل معينة تمكن الشعاب من الصمود أمام موجات الحرارة المستقبلية، إلا أن ذلك لا يتحقق إلا عند تطبيق شروط محددة.
كان لا بد أن يركز الانتخاب مباشرةً على القدرة على البقاء خلال موجات الحرارة طويلة الأمد. وهذا يعني اختيار أفضل 5% فقط من أكثر الشعاب المرجانية تحملًا لتكون آباء الجيل التالي، مع تكرار هذه العملية عبر أجيال متعددة.
غير أن هذا الانتخاب المكثف يواجه تحديات أخرى، مثل الحفاظ على التنوع الوراثي وتوسيع نطاق برامج الانتخاب. فإذا كان لا بد من استخدام 50 شعابًا للحفاظ على التنوع الوراثي مع تطبيق معيار اختيار أفضل 5% فقط، فيجب اختبار نحو 1000 شعابًا مرجانيًا، وهي مهمة صعبة للغاية من الناحية اللوجستية.
تُظهر نتائج النمذجة أن التطور المُساعَد يمكن أن يُحقِق تحسنًا حقيقيًا في قدرة الشعاب المرجانية على تحمل موجات الحرارة. لكن هذا النجاح يعتمد على اختيار السمات المناسبة بعناية، وتطبيق انتقاء مكثف ومستمر عبر الزمن.
مع ذلك، يبقى تقليل انبعاثات غازات الدفيئة خطوةً جوهريةً للحد من الاحترار المستقبلي. وإلى جانبها، ستكون الإدارة الاستراتيجية للنُظم البيئية المحلية، بما في ذلك أعمال الحفظ والتطور المُساعَد، ضروريةً لمساعدة الأنواع الحيوية المهمة على التكيف والبقاء في عالمنا سريع الاحترار.
ترجمة: علاء شاهين