عندما يتحرك البشر ضمن حشد، تميل حركاتهم لأن تكون منسقة بدرجة عالية، على نحو مشابه للحركات الجماعية لأسراب الطيور أو مجموعات الحيوانات الأخرى. ويمكن لهذه السلوكيات الجماعية أن تحد من الاصطدامات في البيئات الديناميكية، ما يسمح للأفراد بالوصول إلى وجهاتهم بأمان.
تناولت العديد من الدراسات البيولوجية السابقة الحركات الجماعية للطيور والأسماك وغيرها من الحيوانات. مع ذلك، ظلت حركات البشر ضمن الحشود أقل استكشافًا. يمكن للفهم الأعمق لكيفية استجابة الأفراد داخل المجموعات لحركات بعضهم البعض أن يسهم في تحسين استراتيجيات إدارة الحشود، ما يساعد على تقليل الحوادث التي يتعرض لها المشاة أو زيادة مستويات السلامة في الحفلات والمهرجانات وغيرها من الفعاليات الكبرى.

قدم باحثون من جامعة براون وجامعة نابولي فيديريكو الثاني نهجًا جديدًا لدراسة الحركات المنسقة للبشر ضمن الحشود، يجمع بين تحليل بيانات التقاط الحركة وبناء شبكات تمثل كيفية تأثير الأفراد الواقعين ضمن مجال الرؤية لبعضهم البعض.
وباستخدام هذه الطريقة، الموصوفة في بحث منشور في مجلة الجمعية الملكية للعلوم التطبيقية (Journal of the Royal Society Interface)، توصل الباحثون إلى أن الأشخاص الموجودين في مقدمة مجموعة متحركة غالبًا ما يكون لهم التأثير الأكبر في السلوك الجماعي للحشد.
قالت كي يوشيدا، المؤلف الرئيسي للدراسة، لموقع Phys.org: «انبثقت هذه الدراسة من تساؤل أوسع يجمع بين الأهمية العلمية والتطبيقية. فإذا أردنا توجيه الحشود أو التحكم فيها بفعالية، لا بد أولًا من فهم آليات القيادة داخلها: من يؤثر في من، وكيف ينتشر هذا التأثير عبر أفراد المجموعة. انطلق عملنا من فرضية أن الحركة الجماعية في الحشود تنشأ عن تفاعلات محلية، غير أن البنية الشبكية الكامنة وراء هذه التفاعلات ظلت، إلى حد كبير، غير مستكشفة».
تتبع حركات المشاة
تعتمد هذه الدراسة الحديثة على بحث سابق لماريو دي برناردو وويليام وارن، استخدم منهجية لدراسة الحركات الجماعية البشرية تُعرف باسم الارتباط الاتجاهي المؤجل المعتمد على الزمن (Time-Dependent Delayed Directional Correlation – TDDC)، والتي طُورت أساسًا بواسطة لوكا جيوجيولي وزملائه، وعُرضت في دراسة عام 2015 ركزت على تنسيق الحركة لدى الخفافيش التي تصطاد بأسلوب الجر.
وباستخدام هذه الطريقة، لاحظ دي برناردو وزملاؤه سابقًا ظهور قادة في مجموعات صغيرة متحركة تتكون من أربعة مشاة.
قالت يوشيدا: «أظهرت تلك الدراسة أن القيادة قد تعتمد على كل من الموقع المكاني وخصائص الأفراد أنفسهم. وتُبنى ورقتنا الجديدة مباشرة على هذا الأساس، إذ توسع النهج ذاته ليشمل مجموعات أكبر تتراوح بين 10 و20 مشاة».
من المعروف أن السلوك الجماعي للبشر مقيد بدرجة كبيرة بالمعلومات البصرية (أي بما يراه الأفراد أثناء حركتهم). لذا، استخدمت يوشيدا وزملاؤها بيانات ميدانية التُقطت من الحشود لبناء نماذج توضّح الأفراد الذين يقعون ضمن مجال رؤية كل مشارك في أوقات متفرقة، ثم وظّفوا هذه النماذج لفهم كيفية تأثير هؤلاء الأفراد (الجيران المرئيون) في ديناميكيات الحركة الجماعية.
أوضحت يوشيدا: «بدأنا بسلاسل زمنية لبيانات حركة المشاة، ومنها حسبنا اتجاه سير كل فرد. أولًا، أردنا الكشف عن علاقات القائد–التابع لكل زوج من المشاة. ولتقدير ذلك استخدمنا أداة الارتباط الاتجاهي المؤجل المعتمد على الزمن TDDC، القادرة على قياس التأثير من خلال توافق الاتجاه مع التأخر الزمني، وقمنا بتقييم ما إذا كان تغير اتجاه أحد الأفراد يتبعه تغير اتجاه الآخر بعد فترة زمنية قصيرة».
استهل الباحثون عملهم بتحليل التفاعلات الثنائية، فدرسوا حركات كل زوج من الأفراد لرصد طبيعة التأثير المتبادل بينهم. وبناءً على هذه العلاقات الثنائية المستكشفة، أعدوا شبكة توضّح الأفراد الأكثر تأثيراً في مسارات الآخرين ضمن المجموعة. وما يسترعي الانتباه أن الفريق جزّأ التسجيلات إلى مقاطع زمنية دقيقة بفاصل نصف ثانية، ليتسنى لهم رصد ديناميكية تغير القيادة داخل الحشد بمرور الوقت.
قالت يوشيدا: «عمدنا بعد ذلك إلى تنقية الشبكة (تقليمها) استناداً إلى معيارين: أولهما استبعاد الروابط التي لا تتوفر فيها رؤية كافية للقائد، سواءً بسبب محدودية مجال الرؤية أو الحجب البصري.
ثانيهما إقصاء الروابط التي تنضوي على تأخيرات زمنية غير واقعية وقصيرة جداً، إذ لا يُعَد التغيير في هذه الحالة استجابةً بصرية-حركية ملموسة».
وباستخدام هذا النهج، أظهر الفريق أن القيادة في الحشد تعتمد بدرجة كبيرة على الموقع المكاني للأفراد. فالأشخاص في مقدمة الحشد يميلون إلى الظهور بصورة القائد، إذ يؤثرون بشكل كبير بحركات من خلفهم. وعلى النقيض، يكون تأثير الأفراد في مؤخرة المجموعة هو الأقل في الحركة الجماعية.
نهج جديد لدراسة سلوك الحشود
ثبت أن النهج الذي استخدمه يوشيدا ودي برناردو ووارن يمثل تفاعلات المشاة بصورة أكثر واقعية مقارنة بالمقاييس أو الافتراضات التقليدية المستخدمة سابقًا لدراسة ديناميكيات الحشود. كما يأخذ هذا الأسلوب في الاعتبار قيود الرؤية والتأخيرات الزمنية، ما ينتج شبكات تعكس بشكل أفضل كيفية تحرك الأفراد وإدراكهم لبعضهم البعض داخل الحشد.
قالت يوشيدا: «خلصنا إلى أن التأثير داخل الحشود المتحركة ليس موزعاً بانتظام، بل يتسم بالديناميكية ويخضع لهيكلية صارمة تمليها المواقع المكانية للأفراد؛ إذ يمتلك المتواجدون في مقدمة الحشد التأثير الأكبر، بينما يتضاءل هذا التأثير لدى الأفراد في المواقع الخلفية. علاوة على ذلك، كشفنا عن ميزة جوهرية للمواقع الأمامية فيما يخص «التأثير العالمي»؛ إذ لا تقتصر سلطة الأفراد في المقدمة على جيرانهم المباشرين فحسب، بل تمتد لتؤثر في الحشد بأكمله عبر مسارات تأثير متفرعة».

قدّمت هذه الدراسة رؤىً جوهرية حول الآليات التي تؤثر بها حركة الأفراد بعضهم في بعض ضمن الحشود. وتُوظَّف المنهجية التي ابتكرها الفريق حالياً في إعادة بناء «شبكات التأثير البصري» لتوسيع نطاق البحث ليشمل سياقات متنوعة لسلوك الحشود.
وفي هذا الصدد، أوضحت يوشيدا: «لقد استحدثنا طريقة لإعادة بناء شبكات التأثير البصري في الحشود البشرية، وطوّرنا على إثرها مقياسين متكاملين؛ أولهما (التأثير المباشر) لرصد أنماط القيادة المحلية، وثانيهما (التأثير المتشعب) لرصد القيادة على المستوى الكلي. وبذلك، يتيح نهجنا دراسة القيادة بوصفها خاصيةً ديناميكيةً ناشئةً في الحشود، مع مراعاة القيود الإدراكية للأفراد أثناء الحركة».
اتجاهات البحث المستقبلية
يمكن للنتائج الأولية التي توصل إليها الباحثون أن تسهم أيضًا في تحسين ممارسات إدارة الحشود الشائعة. وفي المستقبل، قد تساعد هذه النتائج في جعل الفعاليات المزدحمة أكثر أمانًا، أو في تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للإخلاء في حالات الطوارئ.
قالت يوشيدا: «برهنت دراستنا على محورية الموقع المكاني للقائد؛ فإذا كانت الغاية توجيه الحشود بفعالية، فوضع قادةٍ أو مسؤولي سلامة في مقدمة الحشد يُعدّ أكثر تأثيراً بمراحل من التوجيه من الخلف».
وتعكف يوشيدا وفريقها حالياً على توسيع نطاق أبحاثهم حول سلوك الحشود، متجاوزين حدود الشبكات القائمة على الارتباطات الإحصائية فحسب. وفي هذا السياق، أضافت يوشيدا: «نحن بصدد إجراء مقارنة مباشرة بين نهجنا وأساليب مستندة إلى نظرية المعلومات، مثل إنتروبيا الانتقال (Transfer Entropy) وإنتروبيا السببية (Causation Entropy)، والتي نأمل أن تقدم تقديراً أكثر دقة لقوة التأثير. فبينما أثبتت منهجية (TDDC) كفاءتها في تحديد روابط الشبكة، إلا أنها ظلت محدودة في قياس حجم التأثير الفعلي. ومن المسارات البحثية القادمة التي نعتزم استكشافها هو التحقق التجريبي من نتائجنا».
وتؤكد النتائج الأولية للفريق أن الأفراد في مقدمة الحشد يمارسون التأثير الأكبر على حركة من خلفهم؛ لذا يعمل الباحثون حالياً على اختبار هذه الفرضية عبر تجارب ميدانية واقعية، يتولى فيها «قادة» معينون قيادة مقدمة الحشد، مع مراقبة أثر أفعالهم في توجيه سلوك الآخرين.
ترجمة: علاء شاهين