حياةٌ تزدهر من قلب الدمار: سرُّ العودة المفاجئة للحياة البرية في تشرنوبل

في رواية «حين تعود الذئاب مجدداً» للكاتبة إي جاي سويفت، نرى تصوراً لآثار كارثة تشرنوبل ومستقبلها، في عالمٍ باتت فيه الموائل الطبيعية مهددة بالزوال وأصبحت الحياة فيه هشة. يستعرض هذا العمل، الذي ينتمي لأدب الخيال البيئي، كيف يمكن للحيوانات أن تعود للعيش في مناطق تضررت طبيعتها بفعل النشاط البشري. وفي واقع الأمر، نشهد اليوم تحقق نسخة موازية لهذه القصة، إذ بدأت الطبيعة تستعيد عافيتها وتزدهر من جديد حول محطات الطاقة النووية السابقة.

مصدر الصورة: ويكيميديا، بموجب رخصة المشاع الإبداعي (CC BY).
مصدر الصورة: ويكيميديا، بموجب رخصة المشاع الإبداعي (CC BY).

يتجلى هذا المشهد بوضوح في محطة تشرنوبل السابقة بأوكرانيا؛ فبعد أربعين عاماً على الكارثة، أدى غياب البشر إلى ازدهار الحياة البرية مع استمرار التلوث الإشعاعي. تعود القصة إلى عام 1986، حين وقع أسوأ حادث نووي مدني في التاريخ، ما دفع السلطات إلى إخلاء 115 ألف شخص من المناطق المحيطة وتأسيس منطقة استبعاد مساحتها 2,600 كيلومتر مربع، بعد أن تسببت سحابة الإشعاع المنبعثة في تغطية مساحات واسعة من أوروبا، وأودى التسمم الإشعاعي بحياة 31 من عمال المحطة ورجال الإطفاء في الأيام الأولى للحادث.

مر أربعون عاماً على وقوع كارثة تشرنوبل التي أدت إلى إنشاء «منطقة تشرنوبل المحظورة(CEZ) » ومنذ عام 1986، تحولت هذه المنطقة إلى محمية طبيعية للحياة البرية، وميدان طبيعي استثنائي تجري فيه تجارب إعادة الطبيعة البرية دون تدخلٍ بشري. يُحظر في المنطقة سكن البشر، والأنشطة التجارية، واستخراج الموارد الطبيعية، والوصول العام. والآن، أصبحت المنطقة موطناً لتجمعات مزدهرة من الثدييات الكبيرة.

تزايدت في المنطقة اليوم أعداد الذئاب والثعالب والوشق الأوراسي والأيائل الأمريكية والخنازير البرية بشكل ملحوظ، وعادت أنواع مثل الدببة البنية والبيسون الأوروبي للانتشار. تُعد هذه الظاهرة نموذجاً فريداً لـ «إعادة الطبيعة البرية» في أكتر صورها اكتمالًا، إذ فُرضت فيها الطبيعة قسراً نتيجة غياب أي تدخل بشري، وهو ما أسفر عن نتائج غير متوقعة داخل منطقة الحظر. تؤكد الدراسات أن غياب الأنشطة البشرية، بما في ذلك الصيد، والزراعة، والتوسع العمراني، كان له أثر إيجابي في زيادة أعداد الحيوانات، وهو أثر يفوق بوضوح الضرر الناتج عن التلوث الإشعاعي.

تضاهي أعداد الثدييات الكبيرة في القطاع البيلاروسي من المنطقة تلك الموجودة في المحميات الطبيعية غير الملوثة بل وتفوقها في بعض الأحيان. لا شك أن الإشعاع الأولي تسبب بحدوث أضرار جسيمة في الحياة النباتية والحيوانية، لا سيما في «الغابة الحمراء»، الواقعة بالقرب من محطة الطاقة النووية والتي تبلغ مساحتها 10 كيلومترات مربعة. اكتسبت هذه المنطقة اسمها بعد موت أشجار الصنوبر وتحول لونها إلى الأحمر البني بسبب امتصاص مستويات عالية من الإشعاع. مع ذلك، تُظهر الدراسات طويلة الأمد أن التنوع البيولوجي ازداد في غياب البشر.

عودة الأنواع النادرة

عادت، في منطقة الحظر، مجموعة من الأنواع المهددة بالانقراض، في مقدمتها خيول برجفالسكي التي أُعيد توطينها في المنطقة عام 1998 ضمن تجربة علمية لحماية هذا النوع؛ وقد تكللت التجربة بالنجاح، إذ ازدهرت أعدادها اليوم لتتجاوز 150 رأساً في نطاق محدد من الجزء الأوكراني. استعاد أيضًا كل من الوشق الأوراسي والبيسون الأوروبي وجودهما في المنطقة بعد فترة طويلة من الاختفاء، ونجحا في تأسيس مجموعات برية مستقرة. كما عادت أنواع عديدة من الطيور للتعشيش في المنطقة، مثل اللقلق الأسود، واللقلق الأبيض، والعقاب العكواء.

فيديو: ضفادع تشيرنوبيل السوداء.

ولعل الحدث الأبرز في المنطقة هو عودة «العقاب الأرقط الكبير»، المهدد بالانقراض عالمياً والذي يعتمد في صيده على المناطق الرطبة ويتميز بحساسيته الشديدة لأي تدخل بشري. فبعد أن اختفى هذا الطائر تماماً إبان وقوع الكارثة النووية، بدأت بشائر عودته تظهر في عام 2019 حين رُصدت أربعة أزواج في موقع الدراسة، ليتبع ذلك توثيق ما لا يقل عن 13 زوجاً تتخذ من الجزء البيلاروسي مكاناً لتعشيشها. واليوم، تُعد هذه المنطقة الملاذ الوحيد في العالم الذي يشهد نمواً في أعداد هذا الطائر النادر.

تغير لون الضفادع

تشير الأدلة العلمية أيضاً إلى أن بعض الكائنات بدأت تتكيف مع البيئة المشعة؛ فعلى سبيل المثال، لوحظت زيادة في قتامة لون الضفادع الشجرية في المنطقة، إذ يبدو أن ارتفاع مستويات الميلاتونين لديها عمل كآلية دفاعية ضد الأضرار الإشعاعية. كشفت الأبحاث العلمية حول الذئاب الأوراسية عن بوادر مرونة تطورية لافتة، إذ تكيفت هذه الحيوانات للبقاء في بيئة تخضع لتعرض إشعاعي مزمن، بل وظهرت لديها قدرة على خفض احتمالات الإصابة بالسرطان.

لا يقتصر هذا التكيف على الحيوانات فحسب، بل يمتد إلى الكائنات الدقيقة؛ ففي عام 1991، رصدت روبوتات تحكم عن بُعد وجود فطر أسود ينمو داخل قلب المفاعل الرابع المدمر. وكشفت الأبحاث تسخير هذا الفطر لصبغة «الميلانين»، التي عادة ما تحمي من الأشعة فوق البنفسجية، لتحويل إشعاعات غاما إلى طاقة تدفعه للنمو بوتيرة أسرع من نموه الطبيعي.

فيديو: ما الذي حدث في حادثة تشيرنوبيل النووية؟

علاوة على ذلك، أظهرت بعض النباتات في المناطق المجاورة قدرة فائقة على إصلاح حمضها النووي(DNA) في استجابة مباشرة لمستويات الإشعاع المرتفعة؛ وهو ما يشير إلى تطورها لضمان البقاء عبر تعزيز قدرتها على معالجة المعادن الثقيلة وتجاوز الآثار الإشعاعية. وبذلك، أضحت المنطقة اليوم واحدة من أكبر المحميات الطبيعية في أوروبا، ومختبراً علمياً بالغ الأهمية لدراسة قدرة النظم البيئية على التعافي الذاتي حينما تُترك دون أي تدخل بشري.

لم يكن الإشعاع وحده هو من شكّل ملامح هذه المنطقة، بل كان لهجرانها ومرور الزمن أثرٌ حاسمٌ وموازٍ. ونتيجةً لذلك، لم تعد القواعد البيئية التقليدية سارية هناك، ما جعل تشرنوبل بيئة حاضنة لكائنات ذات سمات استثنائية؛ فمثلاً، تحولت مئات الكلاب التي تُرِكت وراءها عقب الكارثة إلى كلاب برية طوّرت خصائص وراثية تميزها عن نظيراتها في بقية أنحاء أوكرانيا.

تؤكد الأدلة نجاح تجربة «إعادة الطبيعة البرية» في المنطقة، إلا أن تداعيات الكارثة حملت في طياتها جوانب سلبية أثرت على الكائنات الحية هناك؛ فقد تسبب الضغط التطوري الناتج عن الإشعاع في تراجع معدلات التكاثر وارتفاع نسب الطفرات الجينية لدى بعض الأنواع، ما أدى إلى ظهور مشكلات صحية ملموسة بين حيوانات المنطقة.

لا يقتصر هذا المشهد على منطقة تشرنوبل وحدها؛ فالمناطق المحيطة بالمفاعلات النووية المتضررة في أماكن أخرى من العالم تشجع أيضاً على عودة الحياة البرية. ففي محيط مفاعلات فوكوشيما باليابان، عادت الثدييات، كالدببة والراكون والخنازير البرية، بأعداد وفيرة، لتتحول مناطق الحظر هناك إلى ملاذات غير متوقعة للحياة الفطرية. امتد الأمر أيضًا ليشمل بعض محطات الطاقة النووية العاملة، حيث أُنشئت فيها موائل طبيعية خاصة، ووُفرت حماية لمساحات واسعة لضمان بقائها بعيدة عن أي تدخل بشري.

من الواضح أن المشهد العام بالغ التعقيد؛ فمن المؤسف ألا يرتدع البشر عن تهديد الأنواع بالانقراض وتدمير البيئة عالمياً إلا بوقوع كوارث نووية. وبعد مرور أربعين عاماً على فاجعة تشرنوبل، لا تزال الدروس المستفادة منها غير مكتملة، ولا تزال النتائج العلمية مفتوحة على التأويل.

انتعشت الحياة البرية في محيط تشرنوبل بشكل ملحوظ نتيجة خلوّ المنطقة من البشر، ومع أن هذه العودة لم تسر وفق نمط منتظم أو متوقع، إلا أنها تقدم دليلاً قوياً على قدرة الأنظمة البيئية على استعادة عافيتها والازدهار حتى في ظل ظروف غير اعتيادية.

ترجمة: علاء شاهين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *