ثمانية عشر عامًا من دراسة الإدراك لدى القردة العليا قد تعيد تشكيل فهم أصول الذكاء البشري

أطلق فريق بحثي مشترك من جامعة ستيرلنغ ومعهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية مشروعًا رائدًا يهدف إلى استكشاف الجذور التطورية للإدراك البشري، من خلال تطوير أكبر قاعدة بيانات عالمية متاحة حول القدرات المعرفية لدى القردة العليا.

تُعدّ دراسة الإدراك لدى القردة العليا، بما يشمل أنماط التفكير والتعلّم وفهم البيئة، مدخلًا أساسيًا لفهم الأسس التطورية للقدرات العقلية لدى الإنسان. غير أنّ هذا المجال البحثي ظلّ لفترة طويلة مقيدًا بمحدودية أحجام العينات وصعوبة الوصول إلى البيانات.

في هذا السياق، أسهم باحثون من نحو 100 مؤسسة علمية في تطوير قاعدة بيانات EVApeCognition التابعة لمعهد ماكس بلانك، والتي نُشرت نتائجها في مجلة البيانات العلمية (Scientific Data)، إلى جانب إتاحة البيانات عبر منصةGitHub . ومن المتوقع أن تُسهم هذه المبادرة في تعزيز الفهم العلمي لمسار تطوّر الذكاء البشري.

قاد المشروع الدكتور أليخاندرو سانشيز-أمارو من كلية العلوم الطبيعية بجامعة ستيرلنغ، حيث عمل على تطوير قاعدة بيانات مفتوحة الوصول تُعدّ الأضخم والأكثر شمولًا عالميًا في مجال الدراسات التجريبية للإدراك والسلوك لدى القردة العليا، وتضم 262 مجموعة بيانات مستمدة من 150 دراسة منشورة.

وأشار سانشيز-أمارو إلى أن انخفاض عدد الأفراد المشاركين في كل دراسة يُعدّ سمة شائعة في هذا المجال، ما يؤدي غالبًا إلى إنتاج بيانات محدودة النطاق. وأضاف أن تجميع بيانات أكثر من 80 فردًا من القردة العليا عبر أكثر من 150 دراسة وعلى مدى زمني طويل يُمثّل إنجازًا فريدًا في علم النفس المقارن.

ومن المتوقع أن تُستخدم هذه القاعدة البيانية في مجالات متعددة، تشمل علم النفس، وعلم الأحياء، والدراسات المرتبطة بالتطور البشري. كما يعكس إسهام أكثر من 100 باحث في توحيد هذه البيانات القيمة العلمية العالية لهذا المورد البحثي.

ينتمي الإنسان إلى فصيلة القردة العليا الكبرى (Hominidae)، ويتشارك تاريخًا تطوريًا حديثًا مع أنواعها الأخرى. ويُعدّ الشمبانزي والبونوبو أقرب الأقرباء الأحياء للإنسان، إذ انفصلا عن سلف مشترك قبل نحو ستة ملايين عام.

تجمع قاعدة البيانات الجديدة معطيات مستمدة من دراسات أُجريت بين عامي 2001 و2020 في مركز فولفغانغ كولر لأبحاث الرئيسيات، ما يتيح للباحثين تحليل تطوّر القدرات المعرفية لدى القردة العليا، وبنية هذه القدرات، والفروق الفردية بينها، على نطاق واسع غير مسبوق.

يتزامن إطلاق هذه القاعدة مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المركز الذي أُنشئ بالتعاون بين معهد ماكس بلانك وحديقة حيوان لايبزيغ.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور دانيال هاون، مدير معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية والباحث الرئيسي في المشروع، أن أهمية هذه القاعدة تكمن في حجمها، ومصادرها المفتوحة، واستمراريتها الزمنية. وأكد أن دمج العديد من الدراسات الصغيرة ضمن مورد موحّد يُمكّن الباحثين من معالجة أسئلة أوسع نطاقًا في مجال الإدراك، كانت سابقًا صعبة المنال، كما يساعد في إجراء مقارنات علمية بين الإنسان والقردة العليا لفهم كيف نشأ الذكاء البشري.

وقد خضعت البيانات لعمليات دقيقة من الجمع والتوحيد والمراجعة الداخلية قبل نشرها، في خطوة من المتوقع لها أن تشجّع مؤسسات بحثية أخرى على تبنّي ممارسات مماثلة، بما يُسهم في بناء قاعدة معرفية أكثر تكاملًا.

وأشار سانشيز-أمارو إلى الإمكانات التعليمية لهذه القاعدة، إذ يمكن استخدامها في تدريس العلوم الطبيعية، كما تتيح للباحثين تتبّع الأنماط طويلة المدى ودراسة كيف تتطوّر القدرات والسلوكيات مع الزمن، وهي أمور يصعب فهمها من خلال دراسات منفردة.

ترجمة: علاء شاهين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *