فهم كيفية تطور التواصل الكيميائي لدى الحشرات

تتحدث الحشرات من حولنا دائمًا: فهي تتنافس على الشركاء، وتفتش عن الطعام، وتحاول ألا تقع فريسة كائن آخر. بعض هذه التواصلات بينة وسهلة الملاحظة – كوميض اليراعات في ليالي الصيف أو الغناء الصاخب للزيزيات فترة الظهيرة – بيد أن العديد من الأحاديث المعقدة صعبة الملاحظة، وتحدث عبر تبادل روائح كيميائية.

يمكن لفهم التواصل الكيميائي أن يمثل المفتاح الرئيسي لإيجاد طرق جديدة وأكثر فعالية لحماية المحاصيل أو الوقاية من الحشرات الضارة التي تنقل الأمراض. قام باحثون من معهد ستانفورد للأبحاث، بالتعاون مع علماء من جامعة فيرجينيا للتقنية وجامعة روتجرز بابتكار طريقة لتحديد أقسام من الشيفرة الوراثية التي تستخدمها الحشرات للتواصل.

يؤمن هذا البحث المنشور حديثًا في مجلة Protein Science خريطة لفهم تطور التواصل الكيميائي ويعتبر الخطوة الأولى في فك تشفير ما تقوله بعض الحشرات.

يقول بول أومالي، مدير برنامج علوم التعقيد البيولوجي في معهد ستانفورد ومؤلف مشارك في الورقة البحثية «إن مكافحة حشرات الآفات هدف طويل الأمد هنا، بالأخص في مجال الزراعة». ويضيف «علينا أن نفك رموز هذه اللغة، وأن نكون قادرين على اعتراضها وربما إعادة توجيهها بطرق ذكية».

تتواصل الحشرات بصنف من الكيماويات تدعى التربينات وهي تتبخر بسهولة وتنتشر في الهواء لتغطي مساحة كبيرة وتصل للكثير من الحشرات. لكن سابقًا كان الباحثون يعتقدون أن الحشرات عاجزة عن إنتاجها بمفردها. افتُرض بشكل عام أن الحشرات تلتقط التربينات من محيطها أو تجمعها من غذائها أو باستضافة الميكروبات التي يمكن أن تنتجها.

يقول أومالي «في السنوات القليلة الماضية، تمكن المتعاونون معي إلى جانب آخرين من اكتشاف أن الحشرات تمتلك في الواقع جينات ترمز لأنزيمات تدعى تربين سنثاز أي (مصنّعات التربين)، وهي الفم الناطق بشكل التواصل هذا. التربين سنثاز هو ما يسمح للنوع بتكوين التربينات الخاصة به. «وهذا قد فتح عالمًا جديدًا أمامنا».

مع إدراك أن بعض الحشرات تمتلك القدرة على تكوين التربينات المخزنة في شيفرتها الوراثية، شرع العلماء بابتكار طريقة لإيجاد جينات مشابهة في أنواع أخرى. تمكن أومالي الذي درس التربينات في النباتات لعدة عقود من تبسيط العمليات الكيمائية الضرورية لصناعة التربين وحدد أي الجينات يجب تعديلها لنجاح ذلك. حدد أيضًا عدة أنماط في الشيفرة الجينية خاصة بأنزيم التربين سنثاز.

يقول أومالي «وضعنا مجموعة قواعد لفهم التاريخ الطبيعي لكيفية ظهور هذه الأنزيمات، وهذا يقودنا لاستدلال أو طريقة للتنبؤ فيما إذا كان الجين يرمز للتربين سينثاز أم لا». ويضيف «باستخدام هذا الاستدلال التجريبي نجد أنه ثمة الكثير من جينات التربين سينثاز لدى أنواع الحشرات المختلفة، إنها منتشرة بشكل كبير».

حدد الباحثون بالفعل عدة مئات من جينات التربين سينثاز المحتملة عبر تطبيق طريقتهم على تسلسلات الحشرات الجينية المتاحة. تمثل الأنواع المدروسة ثمانية فقط من أصل 29 صنف حشرات حتى الان، لكن بياناتهم تشير أن التواصل الكيميائي القائم على التربين قد اختبر عدة مراحل تطور مستقلة.

يأمل الباحثون عبر هذا المخطط أن يساعدوا العلماء على تحديد مصنعات التربين لدى العديد من الحشرات والبدء بفهم آلية استخدام هذه التربينات. وبمجرد فهم هذه اللغة، يمكننا استغلالها لمنفعتنا. فلو أننا نعلم، مثلًا، أي مادة كيميائية تجتذب الحشرات التي تؤذي المحاصيل المهمة، يمكننا أن نزرع مجاميع من النباتات كفخّ ينتج هذه المواد لتجذبها بعيدًا.

يقول أومالي «إن قدرتنا على فك تشفير هذه الأحاديث تتيح لنا خيارات أكثر».

يضيء أومالي أيضًا على حقيقة أن الطرائق المستخدمة في هذه الورقة البحثية يمكن تطبقيها أبعد من الحشرات. فالتقنيات نفسها المستخدمة للتنبؤ بالقسم المسؤول عن أنزيم التريبن سينثاز يمكن تطبيقها على أنزيمات أخرى لدى أنواع أخرى أيضًا.

«يمكننا حاليًا سلسلة جينومات متى شئنا، لكننا نعجز عن تفسير الجينوم جيدًا». ويضيف «يؤمن عملنا خريطة لتطوير استدلالات لأصناف أخرى من الأنزيمات للحصول على تنبؤات أدق لوظائف الجينات».

 

ترجمة: حاتم زيداني

المصدر: phys.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *