
يُعدّ حلزون التفاح الذهبي، المعروف علميًا باسم بوماسيا كاناليكولاتا Pomacea canaliculata، آفة شائعة في الأراضي الرطبة والمزارع في هونغ كونغ. يتغذى هذا الحلزون على النباتات المائية، وينتج كتلًا بيضية سامة وردية اللون تشبه حبات العنب الصغيرة، تلتصق بالنباتات أو بالحواجز الحجرية. وقد صنّفه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ضمن قائمة أسوأ 100 نوع غازي في العالم.
حلل باحثون من قسم العلوم في جامعة لينغنان جينومات حلزون التفاح وأقاربه، واكتشفوا أنها، مع كونها حيوانات مائية، تمتلك خاصية التكاثر على اليابسة، كما تتميز كتل بيضها بمقاومة الجفاف، والحماية من الأشعة فوق البنفسجية، وردع المفترسات. وتوصلوا إلى احتمالية أن تكون هذه القدرة قد نشأت من عدوى فيروسية خلال العصر الجوراسي، عندما دمج أسلافها الجين الفيروسي في جينومها.
ويُوضّح الباحثون أن هذا الاكتشاف لا يوفّر فقط فهمًا أساسيًا لكيفية انتقال القواقع إلى اليابسة، بل يُرشد أيضًا إلى طرق مُحتملة لتطوير عقاقير للقضاء على آفة القواقع من مصدرها. نشرت نتائج الدراسة مؤخرًا في مجلة العلوم المتقدمة (Advanced Science).
رصد تكيف قديم
قاد فريق البحث الأستاذ المساعد في قسم العلوم بجامعة لينغنان والأكاديمي الحاصل على جائزة رئاسية كأحد العلماء المتميزين في بداية مسيرته البحثية، البروفيسور جاك إيب تشي-هو، بالتعاون الوثيق مع البروفيسور جيان-وين تشيو (جامعة هونغ كونغ المعمدانية) والبروفيسور جين سن (جامعة الصين للمحيطات)، إلى جانب خبراء دوليين في علم الرخويات.
ذكر الفريق أن بعد انفصال القارة القديمة قبل حوالي 128 مليون سنة، انفصلت أسلاف حلزون التفاح الذهبي التي كانت تعيش في بيئات المياه العذبة، وتطورت بشكل مستقل في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. ومن المثير للاهتمام أن سمة تكاثر مماثلة، وهي وضع البيض على اليابسة، ظهرت بشكل مستقل في سلالتين من حلزون التفاح انفصلتا منذ أكثر من 100 مليون سنة، إحداهما في آسيا وأفريقيا (حلزون بيلا) والأخرى في الأمريكتين (حلزون بوميسيا).
استنتج الفريق أن أسلاف حلزون التفاح أصيبت بفيروس قبل الانفصال، وذلك منذ نحو 145 مليون سنة في العصر الجوراسي. وبدمج الجين الفيروسي في جينومهم، تمكن الحلزون من تطوير سمة وضع البيض على اليابسة، ما قلل من خطر تعرض كتل البيض للمفترسات المائية كالأسماك.

كيف تحافظ البيوض على حمايتها؟
باستخدام علم الجينوم المقارن، حلل الفريق جينومات ستة أنواع من حلزون التفاح من آسيا وأفريقيا والأمريكتين، وأجرى مقارنة جينومية شاملة مع أقاربها المقربين، بما في ذلك عائلة الولودات Viviparidae (حلزونات الأنهار) وأنواع أخرى من الرخويات. وكشفت النتائج أن سائل البيض في الأنواع الأرضية التي تضع البيض من جنس بيلا في العالم القديم وجنس بوميسيا في العالم الجديد يحتوي على أكثر من 80% من بروتين PV1، الذي يُعزز مقاومة الجفاف والأشعة فوق البنفسجية.
وأشارت تحليلات إضافية إلى وجود بروتين سام للأعصاب يُسمى PV2 ضمن جنس بوميسيا (القوقحة) في العالم الجديد، بما في ذلك حلزون التفاح الذهبي وحلزون التفاح المرقط Pomacea maculata، الذي يوفر دفاعًا سامًا إضافيًا لردع المفترسات. تُظهر هذه البروتينات الرئيسية الموجودة في سائل البيض، مجتمعةً، خصائص فريدة من نوعها، منها السمية العصبية والحماية الفيزيائية، الأمر الذي من الممكن له أن يكون قد ساهم في دفع حلزون التفاح إلى تعزيز قدرته التكاثرية، حيث ينتج كتل بيض سامة ذات لون أحمر وردي تشبه عناقيد العنب الصغيرة تُبعد المفترسات البرية كالطيور والحشرات، بينما تسمح في الوقت نفسه لكتل البيض بالحفاظ على توازن الماء في الهواء ومقاومة الجفاف والأشعة فوق البنفسجية.
التهديد وإمكانية المكافحة
أوضح البروفيسور إيب أن القوقحة، التي يعود موطنها الأصلي إلى حوض نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، أُدخلت إلى آسيا للاستهلاك الغذائي، ولكن نظرًا لاحتوائها على طفيليات تُسبب أمراضًا خطيرة للإنسان، فقد أصبحت في نهاية المطاف نوعًا غازيًا في النظم البيئية للمياه العذبة حول العالم، بما في ذلك هونغ كونغ. يستطيع كل حلزون تفاح إنتاج ما يصل إلى 500 بيضة في أسبوع واحد، ويتغذى على النباتات المائية مثل السبانخ المائية وجرجير الماء، ما يؤثر على نمو المحاصيل. تُمكّنها قدرتها التكاثرية المذهلة من منافسة أنواع حلزونات المياه العذبة المحلية على مساحة المعيشة، ما يُخلّ بالتوازن البيئي للأراضي الرطبة، ويؤثر على موائل الطيور والبرمائيات، ويُسبب أضرارًا بيئية جسيمة.
يقول البروفيسور إيب: «في الماضي، كانت مكافحة آفة القواقع في هونغ كونغ تعتمد بشكل أساسي على الإزالة اليدوية لكتل البيض واستخدام المبيدات الكيميائية، وكانت هذه الطريقة ذات فعالية محدودة. كما أن استخدام المواد الكيميائية قد يُسبب تلوثًا للنظام البيئي للأراضي الرطبة».
لا تعدّ القوقحة الحيوان المائي الوحيد الذي طور سمات تناسلية أرضية.
تكشف هذه الدراسة عن تحول مهم في التاريخ التطوري للحيوانات التي تنتقل من الماء إلى اليابسة من أجل التكاثر.
وجدنا أن سلالتين من حلزون التفاح، تطورتا بشكل مستقل لأكثر من 100 مليون سنة، قد طورتا سمة مماثلة تتمثل في وضع البيض على اليابسة، وهذا يساعد المجتمع الأكاديمي على فهم الدور التطوري الحاسم الذي تلعبه العدوى الفيروسية في دفع التكيف البيئي وتطور الأنواع. نأمل في المستقبل إجراء دراسة معمقة على بروتين PV1 الذي يحمي بيض الحلزون، بهدف تطوير مثبطات بيولوجية تستهدف هذا البروتين للقضاء على آفة الحلزون، ما يفتح آفاقًا جديدة للتخفيف من آثارها المدمرة على البيئة.

من المتوقع أن يؤدي هذا النهج إلى قمع القدرة التكاثرية للقوقحة في مصدرها بطريقة لا تضر بالبيئة الرطبة والمحاصيل، ما يوفر حلاً نهائياً للحفاظ على البيئة والزراعة المستدامة على الصعيدين المحلي والدولي.
ترجمة: علاء شاهين