دراسة حديثة تكشف مراحل فقدان الأسماك المخاطية لبصرها تدريجيًا

صورة: عينات أحفورية من نوع الأسماك المخاطية القديمة Gilpichthys greenei محفوظة ضمن مجموعات مؤسسة لاور لعلم الأحياء القديمة والعلوم والتعليم (أرقام العينات تبدأ بـ LF) ومتحف فيلد للتاريخ الطبيعي في شيكاغو (أرقام العينات تبدأ بـ FMNH). المصدر: رسائل البيولوجيا (Biology Letters)، 2026. الرقم التعريفي: DOI: 10.1098/rsbl.2026.0127.
صورة: عينات أحفورية من نوع الأسماك المخاطية القديمة Gilpichthys greenei محفوظة ضمن مجموعات مؤسسة لاور لعلم الأحياء القديمة والعلوم والتعليم (أرقام العينات تبدأ بـ LF) ومتحف فيلد للتاريخ الطبيعي في شيكاغو (أرقام العينات تبدأ بـ FMNH). المصدر: رسائل البيولوجيا (Biology Letters)، 2026. الرقم التعريفي: DOI: 10.1098/rsbl.2026.0127.

تعتمد العديد من الحيوانات، بما فيها الإنسان، على العين لاكتشاف التغيرات في البيئة المحيطة. تتميز عيون الفقاريات، وهي الحيوانات التي تمتلك عمودًا فقريًا أو هيكلًا داعمًا مماثلًا، بوجود عدسة (بنية شفافة) تعمل على تركيز الضوء الساقط على طبقة من الخلايا الحساسة للضوء تعرف بالشبكية. تحول خلايا الشبكية الضوء إلى إشارات عصبية تُنقل إلى الدماغ لمعالجتها.

تُعد الأسماك المخاطية من الفقاريات البدائية، وهي كائنات بحرية تشبه ثعابين الماء، تمتلك جمجمة وتفتقر إلى عمود فقري حقيقي. تتميز هذه الأسماك بامتلاكها عيونًا شديدة البساطة تفتقر للعدسة وللنسيج الصبغي، وتُغطى بنسيج رخو، الأمر الذي يحد بدرجة كبيرة من قدرتها على تكوين صور أو التقاط معلومات بصرية دقيقة.

أجرى باحثون من جامعة ويسكونسن–ملواكي ومؤسسة لاور لعلم الأحياء القديمة دراسة حديثة لاستكشاف التطور التاريخي لعيون الأسماك المخاطية عبر ملايين السنين. وتشير نتائجهم، المنشورة في مجلة رسائل البيولوجيا(Biology Letters)، إلى أن هذه العيون شهدت فقدانًا تدريجيًا للوظيفة البصرية بالتوازي مع تراجع درجة تعقيدها البنيوي.

كتب الباحثون، ومن بينهم فيكتوريا إي. مكوي وجيسون دي. باردو، في دراستهم: «تعد عين السمكة المخاطية بسيطة بدرجة كبيرة؛ فهي تفتقر للصبغة والعدسة، وتُغطّى بنسيج رخو. ولا يزال توقيت وكيفية حدوث هذا التراجع غير واضحين. نقدم هنا بيانات تشريحية عالية الدقة لعيون متحجرة تعود إلى ثلاثة أنواع من الأسماك المخاطية الجذعية تمثل سلسلة انتقالية نحو العين شديدة البساطة التي تملكها الأسماك المخاطية الحديثة».

عيون الأسماك المخاطية المتحجرة: نافذة على التطور

لتحليل تطور عيون الأسماك المخاطية بمزيد من التفصيل، فحص الباحثون عيون متحجرة لثلاثة أنواع من الأسماك المخاطية المنقرضة باستخدام تقنيات تصوير عالية الدقة وتحليلات تشريحية دقيقة للبنى الأحفورية.

ركزت الدراسة على عدة خصائص رئيسية تشمل حجم العين وشكلها، ومدى تغطيتها بالأنسجة الرخوة، ووجود العدسة أو غيابها، إضافة إلى توزيع الجسيمات الميلانينية (وهي عضيّات خلوية مسؤولة عن تخزين صبغة الميلانين). ثم قارن الباحثون هذه الخصائص بين الأنواع الثلاثة للكشف عن الأنماط التطورية.

أشار الباحثون إلى أن «الأنواع الثلاثة تمتلك عيونًا صغيرة مغطاة بأنسجة رخوة، ولا تضم إلا ميلانوسومات كروية الشكل. أما العدسات فتتواجد في عيون الأسماك المخاطية ذات البنية الجذعية، لكنها تغيب في الأسماك المخاطية ذات البنية التاجية».

تُظهر النتائج أن عيون الأسماك المخاطية أصبحت تدريجيًا أصغر حجمًا وأبسط تركيبًا عبر الزمن الجيولوجي. فبينما تمتلك جميع الأنواع المدروسة عيونًا صغيرة ومغطاة بنسيج رخو، على غرار الأنواع الحديثة، كانت عيون العينات الأقدم أكبر نسبيًا واتسمت بوجود عدسات، ما يشير إلى قدرتها المحتملة على تكوين صور بدائية.

ذكر الباحثون في دراستهم: «حدث انكماش تدريجي في حجم العين خلال حقبة الحياة القديمة، تلاه طور أولي تميز بانخفاض الحجم وفقدان الجسيمات الميلانونية الأسطوانية من ظهارة الشبكية المصطبغة، وتلاه بدوره طور وسيط تمثل بفقدان القدرة على تركيز الصورة، وأخيرًا حدث فقدان شبه كامل للبصر لدى الأسماك المخاطية الحديثة».

وأضافوا: «من المرجح حدوث الطورين الأولي والوسيط في بيئات بحرية ضحلة قبل انتقال الأسماك المخاطية إلى المنحدر القاري خلال العصر البرمي».

تبسيط الأعضاء الحسية في الأسماك المخاطية

بناءً على هذه المعطيات، يقترح الباحثون أن يكون تراجع تعقيد عيون الأسماك المخاطية قد اتبع مسارًا تدريجيًا متعدد المراحل، أدى في النهاية إلى انعدام شبه كامل للرؤية لدى الأنواع المعاصرة، ولم يكن حدثًا مفاجئًا. في المرحلة الأولى، تقلص حجم عيون الأسماك المخاطية وفقدت بعضًا من أنسجتها الصبغية.

لاحقًا، فقدت هذه الكائنات قدرتها على تركيز الصور بشكل صحيح بعد فقدان العدسة، وأخيرًا، أصبحت عيونها شديدة البساطة، مماثلة لتلك الموجودة في الأسماك المخاطية الحديثة، مع فقدان معظم وظائفها البصرية.

تقدّم هذه الدراسة نموذجًا مثيرًا للاهتمام لكيفية تبسيط الأعضاء الحسية تدريجيًا وفقدان وظائفها بمرور الوقت، عكس الاتجاه العام نحو التعقيد والتطور. في بعض الحالات، وكما هو الحال مع الأسماك المخاطية، قد يكون هذا التبسيط مفيدًا، أو قد يعكس اعتمادًا متزايدًا على أعضاء حسية أخرى.

المصدر

ترجمة: علاء شاهين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *