
في دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة بوتسدام ومركز ومتحف مونريبوس للأبحاث في نويفيد، وجامعة ليدن الهولندية، أظهر تحليل حفريات يعود عمرها إلى نحو 120,000 عام من موقع نيومارك-نورد في ساكسونيا-أنهالت بألمانيا انخفاضًا حادًا في مستويات التنوع الجيني للأيل الأسمر الأوروبي منذ أواخر الفترة بين الجليدية. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة آي ساينس (iScience).
لا يُمثل الأيل الأسمر الحديث سوى جزء محدود من التنوع الجيني الذي كان يميز أسلافه خلال العصر الجليدي. تُبرز هذه الدراسة كيف أسهمت كل من التغيرات المناخية والأنشطة البشرية في إعادة تشكيل هذا النوع الذي كان يتمتع بتنوع بيولوجي غني، وقد تسهم في توجيه استراتيجيات الحفاظ عليه.
كان الأيل الأسمر واسع الانتشار في أوروبا الوسطى خلال الفترات الدافئة بين العصور الجليدية (الفترات بين الجليدية)، إلا أنه تراجع جنوبًا خلال الفترات الجليدية الباردة. وفرت ظروف الحفظ الاستثنائية في رواسب بحيرة نيومارك-نورد، الواقعة بالقرب من مدينة ميرسبورغ في ولاية سكسونيا أنهالت الألمانية، فرصة نادرة لاستخلاص الحمض النووي القديم المرتبط ببيئات مناخية معتدلة.
تمكّن الفريق الذي يشمل باحثين من جامعة بوتسدام، ومركز مونريبوس للأبحاث الأثرية ومتحف تطور السلوك البشري في نويفيد التابع لمركز لايبنيز لعلوم الآثار (LEIZA)، وجامعة ليدن في هولندا، من استخلاص الحمض النووي القديم من عشر حفريات لأيائل سمراء في بحيرة نيومارك-نورد.
وبشكل لافت، تُظهر السلالة القديمة الوحيدة من غزلان نيومارك-نورد مستوى من التنوع الجيني يُضاهي التنوع الجيني الحالي للأيائل السمراء عبر نطاقها الأوراسي الممتد من إسبانيا إلى تركيا. بالمقابل، يظهر الأيل الأسمر الحديث مستوى منخفض بشكل غير اعتيادي من التنوع الجيني مقارنةً بأقاربه مثل الأيل الأحمر أو أيل الهند.
تشير تحليلات إعادة بناء السلالات (التحليل النشوئي/التطوري) إلى أن الأيل الأسمر المعاصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسلالة نيومارك-نورد القديمة.
يوضح ألبرتو روشا-مينديز، عالم الوراثة القديمة في جامعة بوتسدام والمؤلف الرئيسي للدراسة: «يشير هذا النمط إلى تطور سلالات جينية متعددة ومتنوعة، واستطيانها في أوروبا الوسطى خلال أواخر العصر الحديث الأقرب، إلا أن سلالة واحدة فقط هي التي نجت بعد نهاية العصر الجليدي».
تعود نقطة الانقسام بين الأيائل السمراء الأوروبية القديمة والحديثة إلى نحو 200,000 عام مضت، وذلك في سياق التقلبات المناخية التي شهدتها مرحلة التشيباني خلال العصر الحديث الأقرب.
من المرجح أن تكون فترات التبريد الجليدي قد أدت إلى انقراض التجمعات الشمالية ذات التنوع الجيني المرتفع، في حين نجت مجموعات محدودة في المناطق التي تُعرف بالملاجئ الجليدية الجنوبية، مثل الأناضول والبلقان. وفي مراحل لاحقة، نشر البشر هذه التجمعات منخفضة التنوع الجيني من الأناضول إلى مناطق واسعة من العالم خلال العصر الحجري الحديث، والعصر الروماني، والعصور الوسطى، وصولًا إلى العصر الحديث.
نظرًا لخصائصها التشريحية المميزة، لا سيما شكل القرون، صُنفت الأيائل السمراء في نيومارك-نورد لفترة طويلة ضمن نوع أو سلالة فرعية مستقلة تحت اسم أيل الدامة جيزيلانا (Dama (Dama) geiselana) غير أن التحليل الجيني الحديث، الذي كشف عن انخفاض التباين الوراثي بينها وبين الأيائل السمراء الحديثة، لا يدعم اعتبارها نوعًا منفصلًا.
يقول لوتز كيندلر، عالم الآثار في مونريبوس وأحد المشاركين في الدراسة: «أظهرت الأيائل السمراء في الماضي تنوعًا شكليًا كبيرًا، إلا أن هذا التنوع يُعزى إلى التكيفات المحلية لا إلى وجود سلالات جينية متميزة».
قد تُسهم الدراسات المستقبلية التي تعتمد على تحليل الجينوم النووي الكامل في تقديم فهم أكثر تفصيلًا للتاريخ الديموغرافي والتطوري لهذا النوع.
معلومات أساسية عن موقع التنقيب
في موقع نيومارك-نورد 1، اكتشف الجيولوجي ماتياس توماي عام 1985 بيئة بحيرية قديمة، استغلها عالم الآثار ديتريش مانيا، بين عامي 1985 و1996، للتنقيب فيها ودراستها، وخَلص في دراسته إلى وجود حوض بحيرة كبير في الموقع يعود إلى آخر فترة بين جليدية، قبل نحو 120,000 عام، والمعروفة باسم فترة إيميان. وبين عامي 2004 و2008، درس فريق من مركز لايبنيز لعلوم الآثار في ماينز وجامعة ليدن، حوض بحيرة أأخرى في موقع نيومارك-نورد 2. كشفت الأبحاث في كلا الموقعين عن سجل بيئي فريد من نوعه.
تحفَظ هذه المكتشفات حاليًا لدى مكتب ولاية ساكسونيا-أنهالت لإدارة التراث والآثار في ألمانيا.
ترجمة: علاء شاهين