دراسة حول التكيف السلوكي: كيف يتجنب الكوجر صراع الذئاب في يلوستون؟

حقوق الصورة: Credit: Pixabay/CC0 Public Domain
حقوق الصورة: Credit: Pixabay/CC0 Public Domain

تُظهر أحدث الأبحاث في متنزه يلوستون أن العلاقة بين الذئاب والكوجر تخضع لنمط استيلاء الذئاب على فرائس الكوجر، مما دفع الكوجر إلى تغيير نمطه الغذائي نحو طرائد أصغر حجمًا لتفادي المواجهة. وتأتي هذه الدراسة في ظل اتساع تداخل رقعة النطاقات الجغرافية للنوعين في غرب الولايات المتحدة، حيث لاحظ الباحثون أن الذئاب قد تقتل الكوجر أحيانًا، بينما لا يحدث العكس.

وأظهرت البيانات أن الكوجر تتجنّب مواقع التي اصطادت فيها الذئاب فرائسها، وتحرص على البقاء قريبًا من مناطق توفّر لها فرص الهروب السريع، ولا سيما الأشجار القابلة للتسلّق. وقد أدّى انخفاض أعداد الأيائل في يلوستون إلى زيادة اعتماد الكوجر على الغزلان، وهي فرائس تُلتهم بسرعة، ما أدّى إلى تقليل فرص التداخل مع الذئاب.

وقد نُشرت الدراسة في دورية PNAS، واعتمدت على بيانات جُمعت على مدى تسع سنوات من تتبع الذئاب والكوجر باستخدام أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع (GPS) بالإضافة إلى تحرّيات ميدانية لنحو أربعة آلاف موقع يُحتمل أن تكون شهدت افتراسًا من أحد النوعين داخل يلوستون. وتشير النتائج إلى أن تعايش الذئاب والكوجر يعتمد بدرجة أقل على وفرة الفرائس الإجمالية، وبدرجة أكبر على تنوّعها وتوافر مناطق الهروب.

ويقول ويسلي بايندر، طالب الدكتوراه بجامعة ولاية أوريغون والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تشهد مجتمعات اللواحم تغييرات واسعة في أميركا الشمالية والعالم. لذا يقدم بحثنا رؤية حول كيفية تنافس اثنين من كبار المفترسات، مما يدعم جهود استعادة التوازن البيئي».

وقد كادت السياسات الحكومية في القرن العشرين في الولايات المتحدة أن تقضي على جميع الذئاب والكوجر. غير أن برامج الحماية سمحت بعودة الكوجر منذ ستينيات القرن الماضي، ثم أُعيد إدخال الذئاب ابتداءً من عام 1995 بما في ذلك في يلوستون. واليوم يعيد النوعان استيطان مساحات واسعة من غرب البلاد.

وأضاف بايندر: «هناك مناطق شهدت عودة الكوجر خلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية، والآن تعود الذئاب أيضًا. كثيرون يتساءلون: كيف سيبدو شكل مجتمعاتنا البيئية بعد عودة هذين المفترسين الكبيرين إلى بيئتنا؟».

وقد بدأ بايندر دراسته للدكتوراه في جامعة ولاية أوريغون عام 2022 بعد ما يقرب من عقد من العمل في رصد الكوجر ضمن مشروع كوجر يلوستون. وشمل عمله إنشاء شبكة من 140 كاميرا مراقبة آلية عن بعد في شمال المتنزّه، والإمساك بالحيوانات وتركيب أطواق التتبّع لها.

وتستند الدراسة إلى ما توصّل إليه باحثون سابقون من هيمنة الذئاب في التفاعلات التنافسية نظرًا لعيشها في جماعات، في حين تعيش الكوجر حياة انفرادية. وقد أثبتت الدراسات السابقة وجود مقايضة بين المفترسات الخاضعة والمهيمنة؛ حيث تواجه تحدي البقاء، لكنها تستفيد أحيانًا من التهام بقايا فرائسها. غير أن الكوجر نادرًا ما تقتات على فرائس اصطادتها لواحم أخرى، وتعتمد بدلًا من ذلك على كفاءتها العالية في الصيد، وهو ما جعل القواعد التي تنظّم علاقتها التنافسية مع الذئاب غير واضحة تمامًا.

تقدّم الورقة البحثية الجديدة مجموعة من التفسيرات:

● فحص الباحثون 3,929 موقعًا يُحتمل أن تكون شهدت عمليات افتراس نفّذتها الذئاب أو الكوجر؛ تبيّن أن 852 منها مثّلت مواقع تغذية للذئاب، و520 موقع تغذية للكوجر.

o سجّلت الذئاب 716 عملية اصطياد مباشرة، ولجأت إلى التهام فرائس الميتة 136 مرة، وكان اعتمادها الأكبر على الأيائل (542 حالة)، ثم البيسون (201 حالة)، فالغزلان (90 حالة).

o في المقابل، نفّذت الكوجر 513 عملية اصطياد، ولم تُسجَّل لها سوى سبع حالات التهام فرائس ميتة، وتمحورت طرائدها أساسًا حول الأيائل (272 حالة) والغزلان (220 حالة).

● أظهر تحليل يقارن البيانات بين فترتَي 1998-2005 و2016-2024 تحوّلات كبيرة لكلا النوعين:

o بالنسبة إلى الذئاب، ارتفعت نسبة التغذّي على البيسون من 1% إلى 10%

o في حين تراجعت نسبة التغذّي على الأيائل من 95% إلى 63%. أما الكوجر، فانخفض اعتمادها على الأيائل من 80% إلى 52%، وارتفع اعتمادها على الغزلان من 15% إلى 42%.

واستُخدمت بيانات مواقع الافتراس هذه لاحقًا في تدريب نماذج تعلّم آلي تعتمد على بيانات GPS للتنبؤ بمواقع الافتراس الخاصة بالذئاب والكوجر. وأتاح ذلك ربط جميع تحركات الحيوانين مع مواقع افتراس مرجّحة، وتحديد العوامل التي تؤثر على تفاعلاتهما. وكشفت النتائج أن العلاقة غير متماثلة للغاية؛ إذ وقع 42% من التفاعلات في مواقع توقّع النموذج أن الكوجر هي التي اصطادت فيها الفريسة، بينما سُجّلت حالة واحدة فقط في موقع يُحتمل أن الذئب هو الذي نفّذ فيه الافتراس.

وقد وثّق الباحثون 12 حالة نفوق لكوجر بالغة خلال الفترة الممتدة من 2016 وحتى 2024، لتبيّن أن حالتين منها ناتجتان عن هجوم الذئاب. وفي كلتا الحالتين لم تكن تضاريس الهروب متاحة، ولم تلتهم الذئاب أجساد الكوجر، بل تغذّت على الأيائل التي كانت قد اصطادتها تلك القطط الكبيرة. وفي الفترة نفسها سُجّل نفوق 90 ذئبًا، لم تُعزَ أيٌّ منها إلى الكوجر، إذ كان معظمها نتيجة أسباب طبيعية أو تدخلات بشرية.

شارك في تأليف الورقة البحثية كلٌّ من جويل إس. روبريخت (Joel S. Ruprecht)، وريبيكا هاتشينسون (Rebecca Hutchinson)، وتال ليفي (Taal Levi) من كلية العلوم الزراعية في جامعة ولاية أوريغون؛ وجاك راب (Jack Rabe) من جامعة مينيسوتا ومركز موارد يلوستون؛ وماثيو متز (Matthew Metz) ودانيال شتالر (Daniel Stahler) من مركز موارد يلوستون. كما تنتمي هاتشينسون إلى كلية الهندسة في جامعة ولاية أوريغون.

المصدر

ترجمة: علاء شاهين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *