الأزهار الحمراء تمتلك سمة تطورية «سحرية» تجذب الطيور وتُبعد النحل

حقوق الصورة: Pixabay / CC0 ملكية عامة
حقوق الصورة: Pixabay / CC0 ملكية عامة

تُعد عملية التكاثر لدى النباتات المزهرة مسألةً محوريةً ترتبط بالطيور والنحل معًا؛ فجذب الملقح المناسب قد يكون الفاصل بين البقاء من عدمه. وتكشف أبحاث حديثة أن الطريقة التي تتبعها الأزهار في هذا الصدد تنطوي على إثارة يفوق التصور، بل ومن الممكن وصفه بـ “سمة سحرية”.

ناقشنا في ورقتنا البحثية الجديدة، المنشورة في دورية Current Biology، كيف تساهم سمة تطورية “سحرية” واحدة في بعض النباتات المزهرة في تمويهها عن أعين النحل، بينما تجعلها في الوقت ذاته تبرز بوضوح وسطوع أمام أعين الطيور.

آلية الرؤية لدى الحيوانات

يمتلك البشر عادةً ثلاثة أنواع من مستقبلات الضوء في أعينهم، مما يمنحنا إدراكًا غنيًا للألوان. هذه الخلايا حساسة للضوء الأزرق، والأخضر، والأحمر. ومن خلال مدخلات هذه الخلايا، يُنتج الدماغ ألوانًا عديدة، بما في ذلك اللون الأصفر عبر ما يُعرف بالمعالجة اللونية المتقابلة.

تعتمد هذه المعالجة على معالجة الألوان المختلفة في الدماغ بشكل متقابل؛ فعلى سبيل المثال، نرى بعض الإشارات باللون الأحمر وبعضها بالأخر، لكننا لا نرى لونًا يمزج بينهما أبدًا. وتمتلك عديد من الحيوانات حاسة إبصار للألوان تعتمد على المبدأ ذاته. فالنحل يرى عالمه عبر خلايا تستشعر الأشعة فوق البنفسجية، والضوء الأزرق، والأخضر، بينما تمتلك الطيور نوعًا رابعًا من المستقبلات الحساسة للضوء الأحمر أيضًا.

يوضح المقياس الطيفي التباين في إدراك الألوان بين البشر، والنحل الحساس للأشعة فوق البنفسجية والأزرق والأخضر، والطيور التي تمتلك أربع مستقبلات ضوئية تشمل الحساسية للون الأحمر. حقوق الصورة: Adrian Dyer & Klaus Lunau، CC BY
يوضح المقياس الطيفي التباين في إدراك الألوان بين البشر، والنحل الحساس للأشعة فوق البنفسجية والأزرق والأخضر، والطيور التي تمتلك أربع مستقبلات ضوئية تشمل الحساسية للون الأحمر. حقوق الصورة: Adrian Dyer & Klaus Lunau، CC BY

التحدّي الذي تواجهه النباتات المزهرة

ما علاقة هذه الفروقات في الرؤية اللونية بالنباتات والوراثة، بل وبما يُسمّى «السحر»؟

تحتاج الأزهار إلى اجتذاب مُلقِّحات بالحجم المناسب، بحيث يلتصق اللقاح بالموضع الصحيح من جسم الحيوان، ثم يُنقل بكفاءةٍ إلى زهرة أخرى لإتمام عملية التلقيح. وبناءً عليه، تميل الطيور إلى زيارة الأزهار الأكبر حجمًا، والتي توفر كميات وافرة من الرحيق لهؤلاء الباحثين عن الطعام.

لكن توفر كميات كبيرة من الرحيق السكري يطرح خطرًا يتمثل في قدوم النحل ليتغذى عليه، مستهلكًا في طريق ذلك حبوب لقاح ثمينة. وتكمن المشكلة في أن النحل ليس بالحجم المناسب لنقل اللقاح بفعالية بين الأزهار الكبيرة. لذا، تحتاج هذه النباتات إلى “إشارة” تجذب الطيور دون أن تثير انتباه النحل.

ومن المعروف أن تلقيح النحل للأزهار سبق تطوريًا تلقيح الطيور لها. فكيف تمكّنت النباتات من الانتقال بكفاءةٍ إلى نمط تلقيحٍ يعتمد على الطيور، وهو نمط يسمح بنقل اللقاح لمسافاتٍ أطول؟

يختلف إدراكنا للألوان الموضح بالشريط الطيفي عن إدراك النحل الحساس للأشعة فوق البنفسجية والأزرق والأخضر، أو الطيور التي تمتلك أربع مستقبلات ضوئية للألوان بما في ذلك الحساسية للون الأحمر. حقوق الصورة: أدريان داير وكلاوس لوناو، CC BY
يختلف إدراكنا للألوان الموضح بالشريط الطيفي عن إدراك النحل الحساس للأشعة فوق البنفسجية والأزرق والأخضر، أو الطيور التي تمتلك أربع مستقبلات ضوئية للألوان بما في ذلك الحساسية للون الأحمر. حقوق الصورة: أدريان داير وكلاوس لوناو، CC BY

تجنّب النحل أم اجتذاب الطيور؟

تُظهر مشاهدتنا للطبيعة بأن معظم الأزهار الحمراء تزورها الطيور أكثر مما تفعله النحل، ولهذا السبب نجحت الأزهار التي تلقحها الطيور في هذا التحوّل. ولتفسير ذلك، طُرحت نظريتان رئيسيتان:

تتمثل الأولى في فرضية تجنّب النحل، التي تفترض أن الأزهار الملقّحة بفعل الطيور تعتمد ألوانًا يصعب على النحل إدراكها. أما الثانية، فتفترض أن الطيور تُفضّل اللون الأحمر بطبيعته.

إلا أن أيًّا من النظريتين لم يكن كافيًا وحده، إذ لا تُظهر الطيور غير الخبيرة تفضيلًا فطريًا لدرجات الأحمر الأكثر شدّة. ومع ذلك، تمتلك الأزهار الملقّحة بفعل الطيور لونًا أحمر مميزًا للغاية، ما يشير إلى أن تجنّب النحل وحده لا يفسّر تطوّر ألوان الأزهار الحمراء اللافتة باستمرار.

حلّ تطوري «سحري»

في علم الأحياء التطوري، يُشير مصطلح “السمة السحرية” إلى حلّ تطوري تنجم عنه فوائد متعددة نتيجة تعديلٍ وراثي واحد. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أظهرت دراسة الفريق الذي يعمل على تطبيق هذا على النباتات المُزهرة بأن جينًا واحدًا يتحكّم في أصباغ امتصاص الأشعة فوق البنفسجية في بتلات الأزهار يمكن أن يحقق عدة فوائد في آنٍ واحد، وذلك بسبب الاختلاف الجذري في كيفية إدراك النحل والطيور للإشارات اللونية.

تتنوع ألوان الأزهار التي يلقّحها النحل، بل إن بعض الأزهار الحمراء تُلقّح أيضًا بواسطة النحل، إلا أنها تعكس كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية، ما يسهل على النحل اكتشافها.

يؤدي هذا الجين «السحري» إلى تقليل انعكاس الأشعة فوق البنفسجية من بتلات الزهرة، فتغدو أقل وضوحًا للنحل. وفي الوقت ذاته -وهنا يكمن السحر-، يجعل هذا التقليل من الأزهار الحمراء تبدو أكثر احمرارًا للكائنات التي تمتلك نظام معالجة لونية متقابلة، مثل الطيور.

تحصل الطيور التي تزور هذه الأزهار الحمراء الزاهية على مكافآت، ومع مرور الوقت واكتسابها الخبرة، تتعلّم تفضيلها والعودة للأزهار الحمراء مرارًا وتكرارًا. وهكذا، يُحدث تغيّر وراثي صغير في الإشارات اللونية للأشعة فوق البنفسجية نتائج مفيدة متعددة، تتمثل في تجنّب جذب النحل وعرض ألوان محسّنة لجذب الطيور وتشجيعها على تكرار زيارتها.

ومن حسن حظنا كبشر أن إدراكنا اللوني للون الأحمر يسمح لنا أيضًا بملاحظة أثر هذه الحيلة التطورية الذكية، التي أفضت إلى إنتاج ألوان زهور جميلة. لذا، عندما تخرج في نزهتك القادمة في يومٍ جميل، خصّص لحظةً لتأمّل أحد أعظم تجارب الطبيعة في إيجاد حلّ ذكي لمشكلة تطوّرية معقدة.

المصدر

ترجمة: علاء شاهين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *