
لكل ظاهرة موجودة في الطبيعة تقريبًا لها سبب؛ فباستثناء حالات نادرة، تخدم معظم السمات التي “اصطفاها” التطور غرضًا محددًا. ومن الأمثلة على ذلك طائر الماناكين الأزرق، وهو طائر صغير ينتشر في جنوب شرق البرازيل. وكغيره من الطيور، يبني أعشاشًا تبدو غير مرتّبة ظاهريًّا، وتتميّز بوجود تراكيب طويلة متدلّية تُعرف (بذيل العشّ)، تُنسَج من خيوط الطحالب والألياف وبقايا نباتية أخرى.
لطالما افترض العلماء أن هذه الذيول تؤدّي دورًا تمويهيًّا، لا أنها مجرّد نتيجة عشوائية أو سوء في البناء، غير أن إثبات هذه الفرضية ظلّ صعبًا. إلا أن دراسة حديثة نُشرت في مجلة Biology Letters كشفت أن هذه الذيول هي بمثابة طوق نجاة، إذ تحمي البيوض من الطيور المفترسة الجائعة.
وافترض الباحثون أن هذه الذيول تشتت الشكل الهندسي المميز للعش، مما يجعله يبدو في نظر المفترس مجرد كومة أخرى من بقايا الغابة المتساقطة. إلا أن الدراسات السابقة لم تكن حاسمةً، لصعوبة تحديد ما إذا كان المفترس يحدد موقع العش عبر الرؤية أم حاسة الشم.
اختبار فرضية التمويه
جمع العلماء في هذا البحث الجديد، 50 عشًا حقيقيًا (بعد هجرها) على مدار موسمين للتكاثر، ووضعوها في مواقع مشابهة لبيئتها الطبيعية. ترك الباحثون الذيول في نصف الأعشاش، بينما أزالوها بالكامل من النصف الآخر، ووضعوا بيوضًا اصطناعيةً مصنوعةً من “الصلصال” في كل منها. ثم ثبتوا كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لرصدها على مدار الساعة لمدة 20 يومًا لمراقبة سلوك المفترسات عند اقترابها.
وأظهرت النتائج فرقًا واضحًا في معدّلات الافتراس، إذ كانت الأعشاش التي أُزيلت ذيولها أكثر عرضةً للهجوم بنحو عشرة أضعاف مقارنة بالأعشاش ذات الذيول. فقد تعرّض عشٌّ واحد فقط من الأعشاش المزوّدة بذيل لهجوم، مقابل أحد عشر عشًّا من الأعشاش التي أُزيلت ذيولها. وشملت المفترسات أنواعًا مثل طائر طوقان الجبل أحمر الصدر وطائر المطموط المتوّج الأصهب (red-breasted toucan and the rufous-capped motmot).
فاعليّة التمويه المشتت
أظهرت لقطات الكاميرا أن جميع المفترسات كانت من الطيور التي تعتمد أساسًا على الرؤية في الصيد، مما يؤكد أن هذه الذيول تعمل عبر خداع بصرها. وتحقق الباحثون مما إذا كانت هذه الذيول تنفر المفترسات عبر محاكاة بقايا الوسط المحيط مثل الأغصان الميتة (التمويه البيئي). ورغم عدم قدرتهم على استبعاد هذا الاحتمال تمامًا، إلا أنهم قللوا من تأثيره عبر نقل الأعشاش لمواقع تخلو من بقايا مشابهة. وأسهم ذلك في إظهار أن الآلية الأساسية هي التمويه المُشتِت، الذي يطمس العشّ ويشوّه شكله المألوف.
من جانبهم، علّق الفريق البحثيّ في ورقتهم العلمية بالقول: «هذا هو العمل الأول الذي يؤكد الوظيفة التكيفية لذيول أعشاش الطيور ضد الافتراس، مما يدعم فرضية التمويه المشتت».
ترجمة: علاء شاهين