كشف العلماء عن سرٍّ وراثي يعود إلى نحو 400 مليون عام، أسهم في منح العناكب قدرتها الفريدة على إنتاج الحرير وبناء الشبكات. في الحقيقة لم تبدأ العناكب رحلتها التطوّرية على الأرض بالشكل الذي نعرفه اليوم، إذ يعزو العلماء النجاح التطوري للمفصليات -ومنها هذا الكائن الثماني الأرجل- إلى التحورات التدريجية والمتكررة للأطراف. ومن بين أهم التحولات التي سمحت للعناكب البقاء والتنوع في أكثر من 53,000 نوع، برزت المغازل، وهي أعضاء متخصصة في إنتاج الحرير تقع في الجانب السفلي من بطن العنكبوت.

في دراسة حديثة نشرتها دورية Science Advances، سعى فريق بحثي من الصين إلى استقصاء العوامل الجينية المسؤولة عن ظهور هذه المغازل لدى العناكب وأقرب أقربائها. وتشير النتائج بقوة إلى أن حدثًا قديمًا لتضاعف الجينوم الكامل (WGD) وقع قبل نحو 438 مليون عام، وفر الأساس الجيني لتطور هذه الأعضاء. وحدد العلماء وفقًا لهذه النتائج زوجًا معينًا من الجينات، هما abd-A-1 وabd-A-2، بصفتهما المحركين الأساسين لنمو المغازل.

أطراف أم خياشيم؟
تُمكّن المغازل العناكب من إنتاج حرير يُعد أحد أقوى المواد الطبيعية المعروفة، إذ يفوق متانته مادة الكيفلار بعشرة أضعاف، ويزيد على الفولاذ بخمسة أضعاف عند المقارنة بالوزن نفسه، فضلًا عن تمتّعه بقوة شدّ عالية ومرونة لافتة. ومع ذلك، لا تزال الأصول التطوّرية لهذا العضو غير مفهومة فهمًا كاملًا.
رجحت أبحاث سابقة أن أصل المغازل يعود إلى أحداث تضاعف جيني، لا سيما جينات هوكس (Hox) المسؤولة عن تحديد هيكلية الجسم من الرأس حتى الذيل، والجينات المنظمة لنمو الأطراف. ورغم إشارة بعض الدراسات إلى وقوع تضاعف جيني كامل في العناكب وأقرب أقربائها، إلا أن تلك الأدلة قوبلت بتشكيك علمي.
في المقابل، طُرحت نظريتان متنافستان، تفترض الأولى أن المغازل تطوّرت من خياشيم بدائية، استنادًا إلى نشاط جينات مرتبطة بالخياشيم خلال التطوّر الجنيني للعناكب، أما الثانية، المعروفة بفرضية الأطراف، فترى أن المغازل نشأت من أطراف بدائية.

ولتوضيح الأصل الحقيقي لعضو إنتاج الحرير، أنشأ الفريق تجميعات جينومية على مستوى الكروموسومات لثلاثة أنواع مبكّرة التفرّع تطوريًا: العنكبوت المُجزّأ، وعنكبوت الشبكة الكيسية، والعقرب السوطِي. ثم قارنوا الجينات المتضاعفة لدى هذه الأنواع بنظيراتها لدى القراد، الذي لا يُعتقد أنه خضع لتضاعف جينوم كامل. وأظهرت التحليلات وجود ذروتين واضحتين في توزيعات معدل الاستبدال المترادف (Ks) لدى العناكب، مقابل ذروة واحدة فقط لدى القراد، ما يشير إلى امتلاك العناكب ضعف عدد المقاطع الجينية المضاعفة، وهي نتيجة تتسق مع فرضية التضاعف الجينومي الكامل.
دفع هذا التضاعف العناكب نحو مسار تطوري مختلف عن أسلافها، وزودها بأدوات جينية مكنتها من نسج الشباك الحديثة. وفيما يخص جدلية الخياشيم مقابل الأطراف، حسم الباحثون الأمر عبر إجراء تسلسل أحادي الخلية لأجنة العناكب لمقارنة البصمات الجينية للأنسجة، والتي أثبتت أن المغازل ليست سوى أطرافًا خضعت لتعديلات جذرية.
ولتعزيز هذه النتائج، استخدم الفريق أدوات تحرير جيني متطورة مثل (CRISPR-Cas9) وتداخل الحمض النووي الريبوزي (RNAi) لتعطيل الجين dac-1 المرتبط بنمو الأطراف، وبمراقبة النتيجة تبين أنه في غياب هذا الجين، فشلت العناكب في تطوير مغازل سليمة. وتكشف هذه النتائج مجتمعة كيف أسهمت أحداث تضاعف الجينوم القديمة في إعادة تشكيل جينومات العناكب، ودعمت ظهور ابتكارات تطوّرية رئيسية. ويرى الباحثون أن فهم الأسس الجينية للمغازل قد يفتح آفاقًا واسعة لإنتاج حرير عنكبوتي اصطناعي بتطبيقات طبية ونسيجية وصناعية متعدّدة.
ترجمة: علاء شاهين