ربما تعلم البشر الأوائل المشي وهم مازالوا على فروع الأشجار

تعتبر ثنائية الحركة -المشي انتصابًا على قدمين- سمة مميزة للبشر، ويُعتقد أنها تطورت لدى أقاربنا القدامى أثناء زحفهم بعيدًا عن الغابات للاستفادة من المساحات المفتوحة.

تشير دراسة جديدة لسلوك الشمبانزي البري إلى أن تطور المشي على قدمين ربما ظهر في الواقع لأول مرة عندما كان البشر ما يزالون يتنقلون عبر أغصان الأشجار.

لطالما تساءل الباحثون عما إذا كان تغيير الموطن قد دفع أسلافنا نحو المشي على قدمين، أو إذا طوروا القدرة على المشي على قدمين للبحث عن الطعام في الغابات التي سكنوها منذ فترة طويلة، وهي مهارة أفادتهم في وقت لاحق أثناء اجتيازهم المساحات المفتوحة.

تقول عالمة الأنثروبولوجيا البيولوجية فيونا ستيوارت من كلية لندن الجامعية والتي شاركت بتأليف الدراسة «حتى الآن، تتشارك الفرضيات العديدة لتطور ثنائية الحرك

بفكرة أن البشرانيات (أسلاف الإنسان) قد نزلت عن الأشجار وسارت منتصبة على الأرض، لا سيما في الموائل المفتوحة القاحلة التي تفتقر إلى الغطاء الشجري».

وتضيف «بياناتنا لا تدعم ذلك على الإطلاق».

يمكن للباحثين باستخدام الأدلة المحفوظة في الهياكل العظمية استنتاج كيفية تحرك البشرانيات الأوائل ضمن بيئات معينة. لكننا نعجز عن استنباط كيفية تأثير البيئة بشكل مباشر على الحركة من العظام لوحدها، أو كيف أدت وسائل التنقل إلى تغيير في المشهد العام.

تعتبر قردة الشمبانزي إلى جانب البونوبو أقرب أقربائنا الأحياء. إن فهم كيفية اختلاف سلوكهم فيما يتعلق بالموئل يعطينا نظرة ثاقبة جديدة ومثيرة للدوافع البيئية للمشي على قدمين والتي لا يمكن استنتاجها إلا من السجلات الأحفورية.

صرحت ستيوارت وزملاؤها أن هذا هو «الاختبار الأول في قرد حي للفرضية القائلة بأن موائل السافانا المشجرة كانت حافزًا للمشي على قدمين».

وثقت الدراسة سلوكيات الشمبانزي البري (شمبانزي الشرق)  في وادي عيسى غرب تنزانيا. وادي عيسى عبارة عن منطقة فسيفساء من السافانا في الوادي المتصدع في شرق إفريقيا، ويشابه الموطن الذي تجولت فيه البشرانيات الأوائل ذات يوم.

يتيح الشمبانزي الذي يعيش في موائل مماثلة لتلك التي عاشها أسلافنا البشريون الأوائل الفرصة أمام العلماء للتحقيق في الدوافع البيئية للسير على قدمين. تمت مقارنة حركات ومواقف قرود الشمبانزي في وادي عيسى ببيانات الدراسة السابقة عن الشمبانزي الذي يعيش في مناطق الغابات الكثيفة في إفريقيا.

عند مقارنة السلوك الذي لوحظ في شمبانزي وادي عيسى بسلوك الشمبانزي الذي يسكن الغابات في أجزاء أخرى من إفريقيا، وجد الباحثون أن قردة شمبانزي عيسى لم تمشِ على الأرض بتواتر أكثر على الرغم من موطنها الفسيفسائي في السافانا، إذ أمضت نفس القدر من وقتها في أعالي الأشجار كشمبانزي الغابات الكثيفة.

راقب الباحثون السلوك التموضعي لـ 13 قرد بالغ (6 إناث و 7 ذكور) في وادي عيسى بهدف قياس التفارقات في مجموعات الشمبانزي. وشمل ذلك نحو 2850 ملاحظة لنشاط التسلق والمشي والتعلق على مدار 15 شهرًا، بالإضافة إلى آلاف الملاحظات الأخرى حول الوضعية. جمعوا البيانات كل دقيقتين خلال كل فترة مراقبة مدتها ساعة.

تم تسجيل الموقع النسبي للشمبانزي عند كل ملاحظة مشي على قدمين.

أكثر من 85٪ من حوادث السير على قدمين لدى شمبانزي وادي عيسى قد كانت على الأشجار أثناء بحثها عن الطعام غالبًا. يذكر المؤلفون أن هذه النتيجة مفاجئة إذ كان يُعتقد أن الضغط التطوري للمشي على قدمين يرتبط بالنشاط الأرضي، كحمل الأشياء أو النظر فوق العشب العالي.

يقول المؤلف المشارك أليكس بيل عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس «تشير دراستنا إلى أن انحسار الغابات في أواخر عصر الميوسيني-البليوسيني منذ حوالي خمسة ملايين سنة وموائل السافانا المفتوحة لم تكن في الواقع حافزًا لتطور المشي على قدمين».

ويضيف «بدلاً من ذلك، ربما كانت الأشجار ضرورية لتطور هذه السمة، مع اعتبار البحث عن الأشجار المثمرة دافعًا محتملًا لها»،

وإن معرفة فيما إذا كان أسلافنا قد سلكوا سلوكًا مشابهًا، وكيفية تطور سلوك التنقل بين الأشجار إلى المشي عبر السافانا سيتطلب منا المزيد من البحث.

ولكن إن أخذنا أقاربنا من الشمبانزي بعين الاعتبار، من الممكن أن أسلافنا كانوا مستعدين للمشي والجري عندما  حان وقت مغادرة الأشجار».

 

ترجمة: حاتم زيداني

المصدر: sciencealert

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *