يُعرَف الانقراض الذي أنهى عصر الديناصورات أساسًا بأنه أفسح المجال لظهور عصر الثدييات على اليابسة. ولطالما افترض العلماء أن الكارثة نفسها أعادت تشكيل الحياة في البحار أيضًا، إذ فتحت حيّزًا بيئيًا لظهور تجمعات الأسماك البحرية الحديثة وانتشارها. غير أن توقيت هذا التحول ونطاقه الجغرافي بقيا غير واضحين بسبب ندرة السجل الأحفوري.
تُسهم أحافير أكتُشفت حديثًا في مصر، ويعود عمرها إلى 62.2 مليون سنة، في سد هذه الفجوة في السجل الأحفوري؛ إذ تكشف أن النظم البيئية البحرية كانت تضم بالفعل تجمعات سمكية تُشبه تلك المعاصرة بعد بضعة ملايين من السنين فقط من انقراض الديناصورات.

وبذلك، تقدم هذه الأحافير أحد أوضح الأدلة على أن المجتمعات السمكية البحرية ذات البنية الحديثة ترسخت خلال نحو أربعة ملايين سنة بعد انقراض الديناصورات، أي أبكر بكثير مما كان مُثبتًا سابقًا.
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة ساينس أدفانسيز (Science Advances)، وثّق فريق دولي بقيادة مركز جامعة المنصورة لعلم حفريات الفقاريات في مصر، وبالتعاون مع جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة وجامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، موقع قريّة 3 الأحفوري بالغ الثراء الواقع في الصحراء الشرقية المصرية، والذي يعود تاريخه إلى 62.2 مليون سنة.
يحفظ الموقع نظامًا بيئيًا بحريًا بعيدًا عن الساحل يعود إلى المرحلة الدانية (Danian)، أقدم مراحل العصر الباليوسيني، وقد أسفرت عن مئات من أحافير الأسماك، بما في ذلك أكثر من 20 نوعًا من الأسماك شعاعية الزعانف. وهو ما يجعل قريّة 3 أكثر تنوعًا من جميع تجمعات أسماك المرحلة الدانية المعروفة سابقًا مجتمعة، كما أنه الأكثر توثيقًا من حيث التأريخ.
قالت الباحثة الرئيسة سناء السيد، الباحثة في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، والمحاضِرة المساعدة بجامعة المنصورة، وطالبة الدكتوراه بجامعة ميشيغان: «أكثر ما أثار دهشة الفريق لم يكن كثرة الأسماك، بل مدى ألفة شكل المجتمع الحفري بصورة عامة».
وأضافت: «فبدلاً من مجتمع لا يزال تهيمن عليه بقايا العصر الطباشيري، عثر الباحثون على تجمع منظم حول مجموعات ستصبح لاحقاً من العناصر المسيطرة في المحيطات الحديثة».


تنتمي معظم الأسماك في الموقع المصري إلى مجموعة «مشابهات الفرخيات (Percomorphs)»، وهي مجموعة رئيسة تضم العديد من الأسماك البحرية المعروفة اليوم، مثل التونة والأسماك المفلطحة.
كانت تجمعات أسماك العصر الداني المعروفة سابقًا أقل تنوعًا بكثير، وأقل خضوعًا لهيمنة هذه المجموعات. كما تتضمن الأحافير أقدم سجلات هيكلية لعدة سلالات حية متميزة بيئيًا، منها أقارب مبكرة للتونة والإسقمري، والإسقمري الثعباني، وأسماك القيصانة، والشيميات، والأسماك الأنبوبية.
قال المؤلف المشارك مات فريدمان، مدير متحف علم الحفريات وأستاذ علم الأحياء القديمة في جامعة ميشيغان: «يمكن مقارنة العديد من أحافير موقع قريّة 3، عظمًا بعظم مع نظيراتها الحية، ما يدل على أن فروعًا مهمة في شجرة نسب الأسماك كانت قد تطورت بالفعل بحلول المرحلة الدانية من العصر الباليوسيني».
لا تقل أهمية ما غاب عن الموقع المصري عما ظهر فيه، فعدة مجموعات من الأسماك المفترسة الشائعة في بحار العصر الطباشيري غائبة، مع أن مستويات الحفظ فيه استثنائية وعيناته كثيرة. وهذا يشير إلى أن السلالات الأقدم اندثرت خلال الانقراض الجماعي، بينما توسعت المجموعات الحديثة سريعًا لتشغل الأدوار البيئية التي خلّفتها.
يوفّر الموقع المصري أيضًا منظورًا بيئيًا نادرًا لهذا التحول. فعلى خلاف مواقع المرحلة الدانية من العصر الباليوسيني الأخرى التي تعود إلى بيئات ضحلة نسبيًا، يوثّق هذا الموقع نظامًا بحريًا بعيدًا عن الساحل تكوّن على عمق يُقدر بين 150 و250 مترًا.
ويرتبط هذا التجمع بـ «الحدث الداني المتأخر (Latest Danian Event)»، وهو فترة احترار قصيرة الأمد، ويُرجّح أن الموقع حُفظ بظروف نقص الأكسجين في المياه القاعية، ما ساعد على الحفظ الاستثنائي للأحافير.




يشير وقوع المكان في مناطق مدارية خلال العصر الباليوسيني، إلى احتمالية أن يكون الصعود المبكر لمجتمعات الأسماك البحرية الحديثة أكثر تقدمًا في المناطق المدارية، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الاكتشافات للتحقق من هذا النمط.
إن اجتماع العمر الجيولوجي، وبيئة الترسيب، وجودة الحفظ يجعل من الموقع المصري أحد أغنى النوافذ العلمية لفهم كيفية إعادة تنظيم النظم البيئية البحرية خلال السنين الملايين القليلة الأولى التي تلت انقراض العصر الطباشيري الباليوجيني.
قال المؤلف الرئيس هشام سلام، أستاذ علم حفريات الفقاريات بجامعة المنصورة: «ما ننشره الآن ليس سوى بداية القصة. فهذه الدراسة تمثل خلاصة أولية لجهد بحثي أوسع بكثير، ولا تزال العديد من العينات المهمة قيد التحضير والدراسة، ونتوقع أن يواصل هذا الموقع إحداث تحول في فهمنا لكيفية تشكل مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة عقب هذا الانقراض».
وبمجملها، تكشف النتائج عن صعود سريع لافت للأسماك البحرية عقب أحد أعظم الانقراضات الجماعية في تاريخ الأرض، وتقدّم رؤى جديدة حول كيفية تشكل الحياة البحرية المعاصرة.
ترجمة: علاء شاهين