باحثون يعكسون مسار تطور المضادات الحيوية الغليكوببتيدية القديمة لاكتساب رؤى جديدة لتطوير الأدوية

في المشهد الطبي اليوم، تلعب المضادات الحيوية دوراً محورياً في مكافحة الالتهابات البكتيرية. تعمل هذه المركبات، المنتجة بواسطة بعض أنواع البكتيريا والفطريات، كدفاعات طبيعية ضد الهجمات الميكروبية. قام فريق من الباحثين بالغوص في مجال المضادات الحيوية الغليكوببتيدية (مصادر حيوية في مجال مكافحة مسببات الأمراض المقاومة للأدوية) للكشف عن أصولها التطورية.

ترأس الدكتور ديمي إيفتايم والدكتورة مارتينا أداميك هذا المشروع متعدد التخصصات، بتوجيه من البروفيسور إيفي ستيجمان ونادين زيمرت من قسم «التحكم بالميكروبات بهدف مكافحة العدوى» في جامعة توبنغن، وبدعم من البروفيسور ماكس كريل والدكتور ماثياس هانسن من جامعة موناش في أستراليا.

باستخدام التقانة الحيوية المتقدمة، سعى الفريق إلى تفكيك المخطط الكيميائي للمضادات الحيوية الغليكوببتيدية القديمة. ومن خلال فهم مسارها التطوري، حاول الباحثون العثور عن سبل تطوير المضادات الحيوية المستقبلية لكافة الاستخدامات الطبية. نُشرت دراسة الفريق في مجلة Nature Communications.

تتبع المسار التطوري

قالت إيفي ستيغمان: «نشأت المضادات الحيوية نتيجة للتنافس التطوري المستمر بين الكائنات الحية المختلفة، إذ تسعى كل الكائنات للتفوق على خصومها أو الحد من انتشارها». استخدم الباحثون في دراستهم المضادات الحيوية الغليكوببتيدية، التيكوبلانين والفانكومايسين، إلى جانب بعض المركبات الشبيهة المأخوذة من سلالات بكتيرية محددة.

تعطل  هذه المركبات، المكونة من الأحماض الأمينية والسكريات، بناء جدار الخلية البكتيرية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى موت البكتيريا. من الجدير بالذكر هنا أن التيكوبلانين والفانكومايسين يظهران فعالية ضد العديد من مسببات الأمراض البشرية.

بعبارات أبسط، يرتب العلماء عادة الأنواع في مخطط شجرة تطورية لتوضيح العلاقات فيما بينها. بصورة مماثلة، رسم الفريق البحثي شجرة عائلة المضادات الحيوية الغليكوببتيدية المعروفة، وربط تركيباتها الكيميائية عبر مجموعات الجينات التي ترمز هيكلها. وباستخدام خوارزميات التقانة الحيوية، استنتجوا صيغة افتراضية تُعدّ سلفًا لهذه المضادات الحيوية، وأطلقوا عليها اسم (باليومايسين).

نجح الفريق في تصنيع هذا المركب، من خلال إعادة بناء المسارات الجينية التي يُعتقد أنها تنتج الباليوميسين، وأظهر المركب خصائص المضادات الحيوية في الاختبارات. يقول زيمرت:  «إن إعادة إنتاج مثل هذا الجزيء القديم كان أمراً مبهجاً،  يشبه إعادة الديناصورات أو الماموث الصوفي إلى الحياة».

ربط التطور بالتطبيق العملي

يقول ستيجمان: « تمثلت إحدى النتائج المثيرة للاهتمام بأن جميع المضادات الحيوية الغليكوببتيدية قد أتت من سلائف مشتركة».

ويضيف: «إن البنية الأساسية للباليوميسين تعكس التعقيد الذي نراه في التيكوبلانين، في حين يُظهر الفانكومايسين نواة أبسط. ونتوقع أن التطور الأخير بسّط بنية الفانكومايسين. مع ذلك ظلت وظيفته كمضاد حيوي ثابتة دون تغيير».

بسبب تركيبها الكيميائي المعقد، تتطلب تلك العائلة من المضادات الحيوية طاقة كبيرة لإنتاجها، مع أنها مركبات مفيدة للبكتيريا التي تنتجها. يمكن أن يمنح تبسيط هذا التعقيد مع الحفاظ على مستوى الفعالية على حاله هذه المضادات الحيوية ميزة تطورية.

تتبع الباحثون بدقة تطور هذه المضادات الحيوية وتسلسلاتها الجينية، وبحثوا في الخطوات المحورية اللازمة لإنشاء جزيئاتها الوظيفية. بالتعاون مع علماء أستراليين، أعيدت بعض خطوات الدراسة في المختبرات.

يقول زيمرت: «لقد كشفت رحلتنا عبر الزمن عن رؤى عميقة حول تطور المضادات الحيوية البكتيرية واستراتيجيات تحسين الطبيعة، ما أدى إلى ظهور مضادات حيوية حديثة من الغليكوببتيد». «الأمر الذي وفر لنا أساساً متيناً لتطوير مجموعة المضادات الحيوية المهمة بالاعتماد على التكنولوجيا الحيوية».

ترجمة: علاء شاهين

المصدر: phys.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *