كيف يُسهم الانتخاب الطبيعي في تصميم الهوائيات وعلاجات السرطان والمواد اللاصقة؟

مصدر الصورة: Unsplash/CC0 Public Domain.
مصدر الصورة: Unsplash/CC0 Public Domain.

واجهت وكالة ناسا مشكلة كبيرة وصغيرة في آنٍ واحد: فلم تحتج إلى هوائي لقمر صناعي صغير وحسب، بل إلى هوائي دقيق للغاية، يتمتع بقدرات اتصال محددة، ويخضع لقيود صارمة على الحجم والوزن. أوكلت الوكالة هذه المهمة إلى فريق تصميم ماهر في محاكاة كيفية هندسة الانتخاب الطبيعي للحلول.

يعتمد التصميم باستخدام الانتخاب الطبيعي على فكرة بسيطة لكنها فعالة، ولها تطبيقات واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم: عندما تتفاوت الصفات القابلة للتوريث بين الأفراد، وتمنح بعض هذه الاختلافات أصحابها فرصًا أفضل للبقاء أو النجاح، فإنها تميل إلى الانتشار تدريجيًا عبر الأجيال. فمثلًا، كانت الغزلان الأسرع أقل عرضة للافتراس، ولذلك أصبحت، مع مرور الأجيال، أكثر قدرة على البقاء والتكاثر مقارنة مع الغزلان الأبطأ، وبذلك تمكنت من نقل صفة السرعة إلى نسلها.

قام فريق ناسا بتكييف هذه الفكرة لتعمل داخل الحاسوب. فعملوا على إنشاء برنامجين بدائيين نسبيًا اعتُبرا بمثابة «أبوين» لتصميم الهوائي. ثم قاموا بدمجهما لإنتاج «نسل» رقمي يجمع بنسب مختلفة بين خصائص كلٍ من البرنامجين، في محاكاة لعملية التكاثر الجنسي. ولتمثيل الطفرات، بدل الباحثون بعض عناصر الشيفرة عشوائيًا من 0 إلى 1 أو بالعكس. بعد ذلك، احتفظوا بالبرامج ذات الأداء الأفضل لتكون «آباء» الجيل التالي، بينما استبعدوا البقية.

وبتكرار هذه العملية على مدى عدو دورات، تحسنت البرامج التي أنتجت تصميمات الهوائيات بسرعة، لدرجة تفوّق فيها أحد التصميمات على النسخة المصممة بشريًا: بإشارة أقوى، ومدى أوسع، واستهلاك أقل للطاقة، واستغرق وقتًا أقل في التطوير. تم بناء هذا التصميم وإطلاقه إلى الفضاء عام 2006، وأدى أداءً رائعًا طوال مدة المهمة المخطط لها، وهي 90 يومًا.

بالنسبة لي، وبصفتي أستاذًا في كلٍ من القانون وعلم الأحياء، يُشير هذا النجاح إلى حقيقة أوسع: فعندما يُسخر البشر منطق الانتقاء الطبيعي، يمكنهم غالبًا إيجاد طرق فعالة ومُجدية لحل المشكلات المعقدة. كما أوضح في كتابي «قوة الطبيعة: فهم أعمق لمنطق التطور وتطبيقه عمليًا»، يُعد الانتخاب الطبيعي القوة الأكثر إصرارًا على تحقيق الكفاءة في تاريخ الحياة.
تعميق الفهم

إن تجاهل قوة الانتخاب الطبيعي قد يعني تفويت فرص ثمينة، بل وقد يُفاقم الأمور.

لنأخذ الصيد على سبيل المثال: مع ازدياد الطلب العالمي على الأسماك، أصبح الصيد الصناعي عالي الكفاءة في اصطياد جميع الأسماك التي تتجاوز حجمًا معينًا. فكل ما هو صغير بما يكفي ليمر عبر ثقوب الشبكة ينجو، بينما يموت ما هو أكبر. وقد يبدو هذا منطقيًا للوهلة الأولى: اصطياد الأسماك الكبيرة وترك الصغيرة لتنمو.

لكن، تُغير هذه الاستراتيجية العوامل المؤثرة في تكوين التجمعات السمكية لأجيال قادمة.

تكون الأسماك التي تنضج في أحجام أصغر أكثر قدرة على الإفلات من الشباك والتكاثر مقارنة بالأسماك الكبيرة. ومع مرور الوقت، تنتشر سمة النضج في الأسماك ذات الأحجام الأصغر. والنتيجة هي تجمعات سمكية تتكون في الغالب من أسماك بالغة أصغر حجمًا. وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أُجريت عام 2025 أن طول سمك القد البلطيقي، الذي يتعرض للصيد الجائر، قد انخفض بنسبة 48% بين عامي 1996 و2019.

وتتفاقم العواقب: إذ تنتج الإناث البالغة الأصغر حجمًا بيضًا أقل بكثير. في سمك القد الأطلسي، على سبيل المثال، لا تضع الأنثى التي يبلغ حجمها نصف حجم أنثى أخرى تزن 66 رطلًا 50% من عدد البيض، بل تضع حوالي 4% فقط، ويكون بيضها أصغر حجمًا، ما يعني أن كل بيضة تحتوي على مخزون طاقة وغذاء أقل، وبالتالي تقل فرص بقاء الصغار بعد الفقس.

ومن خلال تجاهلها لتأثير ضغوط الانتقاء، انتهت الصناعة إلى الاعتماد في تكاثر الأجيال اللاحقة على أسماك أصغر حجمًا وأقل قدرة على التكاثر. ونتيجة لذلك، انخفض متوسط حجم الأسماك البالغة، وتراجعت أعدادها الإجمالية، ما أسهم في تفاقم أزمة الصيد الجائر على مستوى العالم.

علاج السرطان

في العديد من المجالات، يوفر فهم نتائج الانتقاء التطوري رؤى قيمة، لا تستمثر، في غالب الأمر، بالطريقة الصحيحة.

يدرك العلماء العاملون في المجال الطبي بشكل متزايد الآلية التي ساهم بها الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في ظهور بكتيريا مقاومة لها: فالقضاء على البكتيريا الأسهل استهدافًا يقلل من التنافس أمام البكتيريا الأكثر مقاومة.

وقد ألهمت هذه المعرفة نهجًا جديدًا لعلاج بعض أنواع السرطان، يُعرف بالعلاج التكيفي.

تتكون الأورام عادةً من خلايا تتفاوت قدرتها على مقاومة علاجات السرطان.

تفترض الأساليب التقليدية أن الهدف هو استئصال جميع الخلايا السرطانية. لكن غالبًا ما تأتي جهود الاستئصال بنتائج عكسية وتؤدي إلى وفاة المريض أيضًا، لأن الخلايا المقاومة للعلاج تبقى على قيد الحياة، وتواجه منافسة أقل، وبالتالي تزدهر وتتكاثر.

بالمقابل، يهدف العلاج التكيفي إلى كبح جماح أخطر الخلايا السرطانية من خلال الحفاظ على بعض الخلايا السرطانية القابلة للعلاج لتتنافس معها. فعندما يبدأ الورم بالنمو، يزيد الأطباء جرعات العلاج. وعندما يبدأ الورم بالانكماش، يقللون الجرعة.

بالنسبة لبعض المرضى، يمكن لهذا النهج أن يسيطر على السرطان لفترة أطول. ويرجع ذلك إلى أن العلاج لا يستهدف القضاء التام على جميع الخلايا السرطانية، بل يكتفي بإبقائها تحت السيطرة، وهو ما قد يكون أكثر فاعلية على المدى الطويل.

عالم من الفرص

يجد مهندسون آخرون مصادر إلهام جديدة في الحلول التي صممتها عملية الانتقاء الطبيعي.

على سبيل المثال، أُعيد تصميم مقدمة قطار الطلقة الياباني استنادًا إلى منقار طائر الرفراف، وهو طائرٌ مكنه الانتقاء الطبيعي من الغوص في الماء بأقل قدر من الرذاذ. وكانت النتيجة قطارًا أكثر هدوءًا وسرعةً وكفاءةً في استهلاك الطاقة.

ألهمت الحراشف القوية والمتينة لسمكة الأربيمة العملاقة، التي تطورت في بيئة مليئة بالمفترسات مثل البيرانا، أساليبَ جديدة لتطوير دروع واقية أكثر مرونة ومتانة.

وألهمت قدرة الوزغة على المشي رأسًا على عقب على الزجاج، بفضل خصائصها النانوية الشبيهة بخيوط أصابع القدم التي تستغل قوى جذب الجسيمات دون الذرية، فئةً جديدةً من المواد اللاصقة.

ما وراء الصفات الفيزيائية

لا يقتصر عمل الانتقاء الطبيعي على الصفات التشريحية أو الفيزيائية فحسب، بل يشمل أيضًا الصفات السلوكية.

في علم النفس، تُظهر منظورات الانتقاء الطبيعي كيف تستوعب أدمغة البشر، التي شكلها الانتقاء الطبيعي لمعالجة المعلومات بطرق تؤثر على السلوك، بعض أشكال المعلومات بسهولة أكبر من استيعابها بطريقة مختلفة. وعلى سبيل المثال، يُجيد الناس حساب الاحتمالات الشرطية للمخاطر المختلفة عندما يتم التعبير عنها بترددات طبيعية، مثل «3 من 10»، أكثر من التعبير عنها بلغة الإحصاء الحديثة، مثل «0.3» أو «30%». ويعود ذلك إلى أن المعلومات، وخلال فترة تمتد لما نسبته 99% من تاريخ البشرية، كانت تصل إلى الأدمغة بشكل أساسي على هيئة أعداد صحيحة كاملة، كأشخاص وأشياء وأحداث.

في القانون، يُلقي هذا المنظور الضوء على جوانب مهمة، مثل أصل الشعور بالعدالة لدى أقارب الرئيسيات. وهناك أدلة على أن الانتقاء الطبيعي عزز ميل الإنسان إلى ملاحظة الظلم الذي يتعرض له، وتذكر من يقف وراءه، والاستجابة له سلبًا في الحاضر والمستقبل.

أما في علم الاقتصاد، فيميل الناس إلى تقدير قيمة السلعة التي حصلوا عليها للتو بأكثر بكثير من أقصى سعر كانوا سيدفعونه للحصول عليها. وتشير الأدلة إلى أن هذا الميل، المعروف بتأثير التملك، كان مدعومًا بالانتقاء الطبيعي عندما كانت الصفقات محفوفة بالمخاطر في عالم ما قبل الحداثة، حين كان التخلي عن سلعة مقابل أخرى قد يُعرض المرء لخطر عدم الحصول على أي شيء من شريك تجاري غير جدير بالثقة.

لكن هذا الميل السلوكي يبدو أقل منطقية في سياق الابتكارات الاقتصادية الحديثة كالحقوق القانونية والبنوك والقوانين، ومع وجود آليات لإنفاذ الصفقات، كالشرطة والتقاضي. لذا، يُعد هذا جزءًا من تيار بحثي أوسع يركز على الطرق التي تنشأ بها بعض المشكلات المعاصرة من عدم التوافق بين أدمغتنا المتطورة وبيئاتنا البشرية الحديثة، التي تغيرت بشكل جذري خلال فترة وجيزة من التطور.

كل هذا يعني أن منطق الانتقاء الطبيعي ذو قيمة عملية هائلة: فهو يساعدنا على تحديد المشكلات، واستلهام حلول جديدة، وإدراك متى تُقوض أفعالنا أهدافنا دون أن نشعر.

ترجمة: علاء شاهين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *