كيف انتقلت الحيوانات من البحر إلى اليابسة؟ دراسة تكشف الآليات الجينية لهذا الانتقال

المصدر: Pixabay / CC0 Public Domain
المصدر: Pixabay / CC0 Public Domain

يُعد الانتقال من الماء إلى اليابسة من القضايا العلمية التي تثير اهتمام العلماء. فقد اضطرت الكائنات الأولى إلى التكيّف مع مجموعة من التحديات الجديدة المرتبطة بالحياة خارج الماء. فكيف تمكّنت من تحقيق ذلك؟

في دراسة أُجريت عام 2025، قمنا أنا وزملائي بمقارنة المادة الوراثية ل 150 نوعًا من الحيوانات بهدف فهم الأسس الجينية المرتبطة بالحياة على اليابسة. وأظهرت النتائج أن بعض هذه التكيّفات مشترك بين معظم الكائنات، بينما يظل بعضها الآخر خاصًا بسلالاتٍ معينة.

نشأت الحياة الحيوانية في الماء قبل أكثر من 600 مليون عامًا. وبعد ذلك بنحو 500 مليون عام، بدأت الحيوانات رحلتها نحو اليابسة خلال ما يُعرف بالعصر الكمبري، وهو أحد أكبر التحوّلات التطورية في تاريخ الأرض، والتي أسهمت في نشوء الأنظمة البيئية البرّية الحالية.

وعلى خلاف النباتات الخضراء التي انتقلت إلى اليابسة مرةً واحدة تقريبًا قبل 500 مليون عام، فقد استعمرت الحيوانات اليابسة عدة مرّات وبصورة مستقلة. ويجعل ذلك من الحياة الحيوانية البرّية مثالًا واضحًا على (التطور التقاربي)، حيث تطوّر سلالات مختلفة حلولًا متشابهة للمشكلة نفسها. وقد أتاح كل انتقالٍ إلى اليابسة بيئات جديدة، وأحدث تأثيرًا كبيرًا في الغلاف الجوي ودورة المياه، مما أسهم في تشكيل النظم البيئية الحالية.

تناولنا في بحثنا المنشور في مجلة Nature هذه التحوّلات البيئية من منظور جيني.

قمنا أولًا بمقارنة الجينومات لأكثر من 150 نوعًا من مختلف شعب الحيوانات لتحديد الجينات المشتركة بين السلالات المختلفة. ثم استخدمنا شجرة التطور الحيواني لتحديد الفروع التي ظهرت فيها هذه الجينات أو اختفت.

أظهرت النتائج أن معظم الانتقالات إلى اليابسة رافقها تغيّر كبير في محتوى الجينات، حيث حدثت عدة زيادات ونقصان في الوقت نفسه. وقد لعبت قدرة الجينوم على اكتساب الجينات وفقدانها دورًا رئيسيًا في تكيّف الحيوانات مع البيئات الجديدة.

تحقيق القفزة التطورية

قادتنا هذه النتائج إلى التساؤل عن وظائف هذه الجينات وأسباب احتفاظ بعض السلالات بها وفقدانها لأخرى. وباستخدام تقنيات تحليلية متقدمة وأدوات حاسوبية قوية، تبيّن أن الجينات المكتسبة بشكل متكرر عبر سلالات برّية متباعدة الصلة، كانت ترتبط بوظائف تتعلق بمقاومة الجفاف. كما ارتبطت هذه الجينات بالاستجابة للإجهاد، مثل تغيّرات الحرارة، والأشعة فوق البنفسجية، والملوثات البيئية، والمركّبات السامة النباتية.

أما الجينات التي فُقدت أو تراجعت، فكانت غالبًا مرتبطة بعمليات التجدد، والنظام الغذائي، والإيقاعات الحيوية مثل تعاقب الليل والنهار.

لقد أعاد انتقال الحياة من الماء إلى اليابسة تشكيل كوكب الأرض بعمق. فمع توسّع الكائنات الحية على اليابسة، تغيّرت دورات الأرض، حيث انخفضت مستويات ثاني أكسيد الكربون وازداد الأكسجين في الغلاف الجوي. كما ساهمت الكائنات البرّية في تجوية الصخور، مما أدى إلى إطلاق مزيدٍ من المعادن، مثل الكالسيوم، في الأنظمة البيئية.

تشير هذه النتائج إلى أن التغيرات الجينية قادت تحوّلات في الوظائف الحيوية، والتي أصبحت بدورها عوامل رئيسية في الانتقال من الماء إلى اليابسة. ولا تزال بعض الحيوانات تعتمد على بيئات رطبة للبقاء كما هو الحال في ديدان الأرض التي تعيش في تربة مشبعة بالرطوبة.

في المقابل، تستطيع الحشرات والثدييات العيش بالكامل على اليابسة. ومن اللافت أن الأنواع شبه البرّية (وغالبها من اللافقاريات الصغيرة) تشترك في عددٍ أكبر من التكيّفات. فعلى سبيل المثال، تمتلك وظائف مرتبطة بالدورة الدموية وامتصاص العناصر الغذائية، ما يساعدها على البقاء في التربة.

أما الحيوانات التي تعيش كليًا على اليابسة، فقد أظهرت تنوّعًا أوسع في استراتيجيات التكيّف. وقد كشفنا عن ابتكارات جينية خاصة بسلالات معينة، مثل الجينات المسؤولة عن تكوين الأصداف وإفراز المخاط لدى القواقع البرّية، وكذلك جينات المناعة الفطرية لدى الفقاريات البرّية.

وطوّرت الحيوانات البرّية أنظمة دفاع حاجزية أكثر تعقيدًا وتخصّصًا للتكيّف مع الحياة على اليابسة. وتعكس هذه السمات المميزة تاريخًا تطوريًا فريدًا تشكّل بفعل التفاعل بين العوامل البيئية والوظائف الفسيولوجية والظروف العشوائية.

كما توفّر دراستنا تصورًا زمنيًا لهذه التحوّلات. فقد حدّدنا ثلاث موجات رئيسية لانتقال الحياة من الماء إلى اليابسة خلال 500 مليون عام الماضية، وذلك خلال فترات العصر الأوردوفيشي (485–443 مليون عام)، والعصر الديفوني–الفحمي/الكربوني (419–298 مليون عام)، والعصر الطباشيري (145–66 مليون عام). وقد بدأت هذه الموجات بمفصليات الأرجل البرّية المبكرة، مثل الحشرات، وانتهت بكائنات مثل القواقع البرّية المنتشرة في حدائقنا.

ومن المرجّح أن هذه التحوّلات كانت نتيجة تغيّرات بيئية وجيولوجية كبيرة، مثل ظهور النباتات البرّية الأولى وتشكّل بيئات موسمية جديدة، مما أتاح فرصًا بيئية إضافية للحيوانات البرّية.

ركّزت الدراسات السابقة غالبًا على سلالات محددة من الحيوانات البرّية، غير أن دراستنا تجمع هذه التحوّلات ضمن إطارٍ موحّد، مقدّمةً أول رؤية شاملة لكيفية وتوقيت استعمار الحيوانات لليابسة.

وتقدّم هذه النتائج تصورًا لما قد يحدث لو أمكن إعادة مسار الحياة من جديد؛ إذ تبدو بعض التغيرات الجينية حتميّةً وتتكرر مرارًا مع تكيّف الكائنات مع اليابسة، في حين تبقى تغيّرات أخرى نادرة. وتبيّن دراستنا كيف يواصل التطور ابتكار حلول جديدة للتحديات التي تفرضها الحياة على كوكب الأرض.

ترجمة: علاء شاهين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *