كيف تطورت أسنان الخفافيش لتصبح قائمة أطعمتها متنوعة لهذه الدرجة؟

بدأت القصة مع كائنات لطيفة تدعى عصافير داروين استطاعت تغيير العالم. تتميز هذه العصافير، التي يعود موطنها الأصلي إلى جزر غالاباغوس، بمنقار فريد الشكل يتوافق مع نظامها الغذائي، وساعدت دراسة هذه الطيور تشارلز داروين على تطوير نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي.

تمتلك مجموعة من الخفافيش قصة تطورية مماثلة لعصافير داروين لكنها أكثر تعقيداً. فهناك أكثر من 200 نوع من الخفافيش، تعود معظم مواطنها الأساسية للمناطق الاستوائية الأمريكية. تطورت فكوك هذه المجموعات بأشكال وأحجام مختلفة إلى حد كبير، مع أنها أقارب وأبناء عمومة، وذلك لاستغلال مصادر الغذاء المختلفة بحسب كل مجموعة.

اليوم بينت لنا ورقة بحثية نُشرت بتاريخ 22 أغسطس في مجلة Nature Communications أن هذه السمات التطورية تتضمن تعديلات كثيرة على مستوى الأسنان أيضاً من حيث عددها وحجمها وشكلها وموضعها. إذ تفتقر الخفافيش ذات الخطم القصير، على سبيل المثال، إلى أسنان معينة، ربما بسبب نقص المساحة في الفك لديها. بينما تمتلك الأنواع ذات الفك الأطول مساحة لعدد أكبر من الأسنان، وكما هو الحال عندنا نحن البشر، فإن إجمالي أسنانها أقرب إلى ما كان لدى أسلاف الثدييات المشيمية.

وفقاً للفريق البحثي المشرف على هذه الدراسة، إن مقارنة أنواع النوكتيليونويد يمكن أن تكشف الكثير عن كيفية تطور وجوه الثدييات، وخاصة الفكين والأسنان. ويمكنهم أيضاً الإجابة على بعض الأسئلة المتعلقة حول كيفية تشكل ونمو أسنان البشر.

وإليكم ما قالته شارلين سانتانا، أحد مؤلفي الدراسة، وأستاذة علم الأحياء بجامعة واشنطن وأمينة قسم الثدييات في متحف بيرك للتاريخ الطبيعي والثقافة: «تمتلك الخفافيش جميع أنواع الأسنان الأربعة، القواطع والأنياب والضواحك والأضراس، مثلنا تمامًا».. «طورت خفافيش النوكتيليونويد تنوعاً كبيراً في الأنظمة الغذائية خلال أقل من 25 مليون سنة، وهي فترة زمنية قصيرة جدًا لحدوث جميع هذه التكيفات والتطورات كلها».
أما المؤلفة الرئيسية أليكسا سادير، عضو جديد في هيئة تدريس معهد العلوم التطورية في مونبلييه في فرنسا، وبدأت هذا المشروع كبحث ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، فقالت:

«هناك أنواع من النوكتيليونويد لها وجوه قصيرة مثل كلاب البلدغ، وذات فكين قويين يمكنها عض الجزء الخارجي القاسي من الفاكهة التي تأكلها. وهناك أنواع أخرى لديها خطم طويل يساعدها على شرب الرحيق من الزهور. كيف تطور هذا التنوع بهذه السرعة؟ وما الذي حدث لتتغير فكوكهم وأسنانهم بهذه الطريقة؟»

للأسف لا يعرف العلماء ما الذي أثار هذا الجنون التطوري في التكيف الغذائي عند خفافيش النوكتيليونويد. لكن الأنواع المختلفة من النوكتيليونويد اليوم تتغذى على الحشرات والفواكه والرحيق والأسماك وحتى الدم، نعم كما سمعتم، حيث تضم هذه المجموعة أيضاً الخفافيش مصاصة الدماء سيئة السمعة التي نعرفها جميعاً.

استخدم الفريق البحثي في هذه الدراسة الأشعة المقطعية وطرق أخرى لتحليل أشكال وأحجام الفكين والضواحك والأضراس في أكثر من 100 نوع من النوكتيليونويدات، وأخذ الفريق عينات الخفافيش من المتحف، واستخدم عدداً من الخفافيش البرية التي التُقطت لأغراض الدراسة. قارن الباحثون الأحجام النسبية للأسنان وخصائص الجمجمة الأخرى بين الأنواع التي تتبع أنواعاً مختلفة من الأنظمة الغذائية، واستخدموا النمذجة الرياضية لتحديد كيفية نشوء هذه الاختلافات أثناء التطور.

وجد الفريق أن بعض «قواعد النمو» في الخفافيش الليلية، جعلتها تتطور لتصبح ذات عدد معين من الأسنان لتناسب نظامها الغذائي. على سبيل المثال، تميل الخفافيش ذات الفكين الطويلين، التي تتغذى على الرحيق، أو الفكين المتوسطين، مثل العديد من آكلات الحشرات، إلى امتلاك العدد المعتاد المكون من ثلاثة ضواحك وثلاثة أضراس على كل جانب من الفك. لكن الخفافيش ذات الفكين القصيرين، بما في ذلك معظم الخفافيش آكلة الفاكهة، تميل إلى الاستغناء عن الضاحك الأوسط أو الضرس الخلفي، إن لم يكن كليهما معاً.

قال سادير: «عندما تمتلك مساحة أكبر، يمكنك الحصول على المزيد من الأسنان». «لكن بالنسبة للخفافيش التي تمتلك مساحة أصغر، لا يوجد مكان لعدد كبير من الأسنان، مع أن قضمتها تعد الأقوى».

من الممكن لوجود فك أقصر أن يفسر أيضاً سبب ميل العديد من الخفافيش ذات الوجه القصير إلى امتلاك أضراس أمامية أوسع.

قال سادير: « تميل الأسنان التي تظهر أولًا إلى النمو بشكل أكبر لعدم وجود مساحة كافية لظهور أسنان تالية أخرى».

قالت سانتانا: «يمنحنا هذا البحث الفرصة لاختبار بعض الافتراضات التي وُضعت حول كيفية تنظيم نمو الأسنان وشكلها وحجمها في الثدييات». «من المثير للدهشة أننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية تطور هذه الهياكل المهمة للغاية».

أجريت العديد من الدراسات حول نمو أسنان الثدييات على الفئران، التي تمتلك أضراس وقواطع فقط. لايزال العلماء غير متأكدين تماماً مما إذا كانت الجينات وأنماط النمو التي تتحكم بنمو الأسنان لدى الفئران تشابه تلك الموجودة عند الثدييات.

لذا يعتقد ساديير وسانتانا وزملاؤهما أن مشروعهم، الذي لا يزال مستمراً، يمكن أن يبدأ بالإجابة على هذه الأسئلة في الخفافيش، إلى جانب العديد من الأسئلة الأخرى المعلقة حول كيفية تشكيل السمات التطورية عند الثدييات. وهم يعملون على توسيع هذه الدراسة لتشمل القواطع والأنياب، ويأملون في الكشف عن المزيد من الآليات الجينية والتطورية التي تتحكم بنمو الأسنان عند هذه المجموعة المتنوعة من الخفافيش.

 

المؤلفون المشاركون في هذه الدراسة هم:

نيل أنثوال، باحث مشارك في كلية كينجز في لندن؛ وأندرو كراوس، أستاذ مساعد في جامعة دورهام في المملكة المتحدة؛ رينو ديسال، عالم رياضيات يعمل بتقنية Green Shield Technology؛ روبرت هاس، الباحث في جامعة دريسدن للتكنولوجيا في ألمانيا؛ علماء الأبحاث في جامعة كاليفورنيا، مايكل ليك، ولوران بنتوليلا، وناتالي نيفيس؛ وكارين سيرز، أستاذة في جامعة كاليفورنيا.

 

ترجمة: علاء شاهين

المصدر: phys.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *