تستثمر الأفاعي الجرسية صندوقًا وراثيًا ينتج سمومًا متنوعة لتواكب تطور فريستها

في سباق التسلح التطوري بين الأفاعي الجرسية وفرائسها، تطور القوارض والطيور والزواحف الأخرى مقاومة لسم الأفاعي الفتاك للبقاء على قيد الحياة. لكن ألقى بحث جديد بقيادة جامعة كولورادو بولدر وجامعة تكساس في أرلينغتون الضوء على كيفية نجاح الثعابين في التعامل مع ذلك: فهي تحتفظ بمجموعة واسعة ومتنوعة من الجينات التي تشفر مركب سم الأفعى، مما يسمح لها بالتكيف  للقضاء على فرائسها المحلية وتغير الظروف من حولها.

تساعد النتائج، التي نُشرت في مجلة Nature Ecology and Evolution، في تفسير كيفية مواكبة الأفاعي الجرسية لأنواع الفرائس التي طورت مقاومة لسمومها على مدى ملايين السنين. يقلب هذا البحث عقودًا من التفكير في العوامل التي تؤثر على تطور جينات السم وتغيرها، ويلقي ضوءًا جديدًا على سبب استمرار صعوبة تطوير علاجات فعالة مضادة لسم لدغات الأفاعي.

قال درو شيلد، المؤلف الرئيسي للورقة البحثية  وزميل ما بعد الدكتوراه في علم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة كولورادو بولدر: «لقد وجدنا أن هذه الأفاعي الجرسية لديها مخزون سموم أكثر تنوعًا، وأدوات وراثية في مجموعة أدواتها، أكثر مما قد يوحي به تكوينها لسم واحد فقط».

سم الأفعى هو تكيف تطوري، يتكون من إنزيمات وسموم مختلفة تمكن الثعابين من القضاء على فرائسها. لعقود من الزمان، اعتقد علماء الأحياء أن التطور المشترك بين المفترس والفريسة من شأنه أن يدفع سم الأفعى ليصبح متخصصًا للغاية: يتطور السم لقتل فريسة معينة بشكل فعال ويختفي جين السم غير الفعال مع الوقت. هذه العملية المعروفة في علم الأحياء التطوري باسم «الانتقاء الاتجاهي» تشبه شحذ السكين، بينما يصبح السلاح أكثر فتكًا، سيفقد جزءًا من نفسه في هذه العملية.

تقترح الدراسة الجديدة أنه بدلاً من ذلك يحدث هنا ما يُعرف بـ «الانتقاء المتوازن»، وهي عملية تطورية يُحتفظ فيها بنسخ متعددة من الجين التي تشفر بروتينات السم بدلاً من إزالتها. قد تكون هذه هي الطريقة التي تنجح فيها الثعابين بالهرب من الطرق المسدودة تطوريًا.

قال شيلد: «إن وجود آليات المقاومة هذه في الفريسة دفعنا إلى التساؤل: إذا كان هناك ضغط انتقائي مفروض على الثعابين، أليس من المنطقي تطوريًا أن تمتلك ترسانة سموم أكثر اتساعًا».

نظرًا لأن الأفاعي الجرسية تتغذى على مجموعة متنوعة من الحيوانات، بما في ذلك الفئران والقوارض والطيور والسحالي، فإن الانتقاء بمرور الوقت قد لا يحافظ فقط على تنوع جيني للسم، ولكنه ينتقي بشكل استباقي تنوع جيني أكبر من السم، وهو أمر لم تظهره الأبحاث من قبل.

قال تود كاستو، مؤلف مشارك في الدراسة وأستاذ علم الأحياء بجامعة تكساس في أرلينغتون «تساعد النتائج التي توصلنا إليها في تفسير عقود من النظريات والأدلة التي تبدو متناقضة لأسباب الاختلاف الشديد الملحوظ في سموم الأفاعي. واتضح أن سباق التسلح بين الثعابين والفريسة ينتهي به الأمر إلى إعادة خلط متغيرات السم الأفضل باستمرار، مما سيؤدي إلى الاحتفاظ بالكثير من متغيرات السم بمرور الوقت، ويكون بعضها قديم جدًا».

خلال عمله كطالب دراسات عليا وباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة تكساس في أرلينغتون في عام 2019، اكتشف شيلد وزملاؤه مكان تواجد جينات السم في جينوم الأفعى الجرسية، والذي كان حتى ذلك الوقت مجهولًا. بعد أن عرفوا البنية الجينية للسم كصفة (نُشرت في Genome Research)، أدرك العلماء أنه يمكنهم التحقيق في الآليات التطورية التي تعمل على جينات السم.

سم الأفعى هو موضوع دراسي شائع، وهو نموذج واعد لفهم أصول الحداثة الجينية. لكن لم تصل الدراسات السابقة في هذا المجال إلى معرفة كيفية شكل انتقاء هذه السمة ضمن مجموعات من الأفاعي ذات صلة وثيقة، لذلك ركز الباحثون على مجموعات مختارة من الأفاعي الجرسية في كولورادو ومونتانا وكاليفورنيا وأيداهو.

بعد استكشاف المواقع التي تعيش فيها هذه الثعابين، سافر شيلد وزملاؤه إلى سلسلة من المواقع على مدار عدة سنوات في أواخر الربيع وأوائل الصيف من عام 2017 حتى عام 2020، وجمعوا 68 أفعى جرسية تنتمي إلى نوعين مختلفين يحتلان غرب الولايات المتحدة. من أجل أخذ عينات من الدم والسم وأخذ القياسات الجسدية.

بدأوا بتحليل وسلسلة جينومات هذه الأفاعي، والتحقيق في التباين الجيني في مناطق الجينوم الذي يحتوي على جينات السم. وجدوا تنوعًا جينيًا مذهلاً وأدلة قوية على الانتقاء الطبيعي الذي يحافظ على أشكال متعددة من جينات السموم المختلفة، مما يؤكد الأدلة التي تبين أن الانتقاء المتوازن أكثر انتشارًا في الطبيعة مما كان يُعتقد سابقًا.

استنادًا إلى الدراسة الجديدة، يشك شيلد في أنه على الرغم من أن الانتقاء الاتجاهي قد يكون هو الدافع وراء أصول السم، لكن قد يكون هناك تحول في النطاقات الزمنية الحديثة في هذا التوازن نحو موازنة الاختيار لصالح وجود مجموعة متنوعة من السموم.

قد يكون هذا أحد أسباب صعوبة علاج لدغات الأفاعي.

قال شيلد: «تزيد هذه الآليات التطورية من التعقيد الذي نواجهه عند تطوير مضادات السموم، فقد يختلف تركيب السم داخل نفس النوع في مناطق جغرافية مختلفة».

وصرح شيلد بأنه قد يساعد فهم مدى تنوع جينومات الثعابين السامة حقًا، من الأفاعي الجرسية إلى الكوبرا والثعابين المرجانية في التقدم في العلاجات المضادة للسم وإنقاذ الأرواح في جميع أنحاء العالم.

ومن بين المؤلفين المشاركين الآخرين في هذا المنشور: بلير بيري من جامعة تكساس في أرلينغتون وجامعة ولاية واشنطن، وريتشارد آدامز من كلية جورجيا وجامعة الولاية، وماثيو هولدينج من جامعة ميشيغان، وزاكاري نيكولاكيس وسيدهارث جوبالان من جامعة تكساس في أرلينغتون، وكارا سميث وستيفن ماكيسي من جامعة شمال كولورادو، وجوشوا باركر من كلية مدينة فريسنو، وجيسي ميك من جامعة ولاية تارلتون، ومايكل ديجورجيو من جامعة فلوريدا أتلانتيك.

موّلت مؤسسة العلوم الوطنية (NSF) ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) هذه الدراسة.

 

ترجمة: ولاء سليمان

المصدر: sciencedaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *