جينوم دب قطبي عمره 100000 عام يكشف عن تهجين قديم مع الدببة البنية

كشف تحليل حمض نووي قديم يعود لدب قطبي عمره 100000 عام عن حدوث تهجين واسع النطاق بين الدببة القطبية والدببة البنية خلال فترة بين الجليديين الدافئة الأخيرة في العصر البليستوسيني، الأمر الذي خلّف أثرًا كبيرًا للدب القطبي في جينومات الدببة البنية المعاصرة.

نُشرت الدراسة، التي قادها علماء من جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، في 16 يونيو في مجلة Nature Ecology & Evolution. تحصّل الباحثون على الحمض النووي القديم من جمجمة دب قطبي عُثر عليه عام 2009 على ساحل بحر بوفورت في القطب الشمالي في ألاسكا. أطلق العلماء على الدب اسم «برونو» رغم أن تحليل الحمض النووي أظهر لاحقًا أن الجمجمة تعود لأنثى.

قال المؤلف الأول مينغ شان وانغ، عالم ما بعد الدكتوراه في مختبر Paleogenomics التابع لجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «إن توفر جينوم برونو القديم قد سهّل اكتشاف اختلاط جيني قديم أثّر على جميع الدببة البنية الحية».

قال المؤلف المراسل بيث شابيرو، أستاذ علم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز والباحث في معهد هوارد هيوز الطبي، إن التحليلات الجينية للفريق تظهر أن برونو انتمت لجمهرة دببة قطبية من أسلاف الدببة القطبية الحية. منذ نحو 125000 عام، تقاطعت سلالة الدب القطبي التي أعطت برونو مع سلالة الدب البني التي أعطت جميع الدببة البنية الحالية وتهاجنت فيما بينها.

نتيجة هذا الاختلاط الجيني القديم، يمثل سلف الدب القطبي قرابة 10٪ من جينومات الدببة البنية الحالية. قال شابيرو: «لم نكن لنلاحظ هذا أبدًا بدون جينوم برونو، لأن جميع الدببة البنية الحية لديها هذا الخليط الجيني كجزء من جينوماتها».

رغم أن الدببة القطبية والدببة البنية هي أنواع فريدة مع اختلافات شاسعة في المظهر والسلوك والموائل، إلا أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ويمكن أن تتهاجن بسهولة عندما تتداخل نطاقاتها. زادت التقارير عن المهاجنة في السنوات الأخيرة مع احترار المناخ وحقيقة أن الجليد البحري الآخذ بالاختفاء يدفع الدببة القطبية نحو المناطق الساحلية القطبية، بينما توسع الدببة البنية نطاقها شمالًا.

أظهرت الدراسات السابقة للحمض النووي القديم أن الاختلاط حدث في مجموعات معينة من الدببة البنية أربع مرات على الأقل منذ حوالي 15000 إلى 25000 سنة. في جميع الحالات، كان اتجاه تدفق الجينات من الدببة القطبية إلى الدببة البنية.

وأوضح شابيرو أن «الدببة المختلطة، إن نجت، كانت تنجو كدببة بنية لأنها تواجه صعوبة في الصيد على الجليد البحري دون أن تكون بيضاء تمامًا. لطالما كانت الدببة القطبية جمهرة قليلة العدد دون الكثير من التنوع الجيني».

وجدت الدراسة الجديدة بعض الأدلة على التدفق الجيني المحتمل من الدببة البنية إلى سلالة برونو، لكن غياب الخلط الجيني في الدببة القطبية اليوم يدعم فكرة أن سلالة الدب البني تقلل من لياقة الدب ليعيش كدب قطبي. بعد تشعبها من الدببة البنية منذ حوالي 500000 عام، تطورت الدببة القطبية إلى دبب صيادة متخصصة للغاية في الثدييات البحرية على الجليد البحري في القطب الشمالي. على النقيض من ذلك، فإن الدببة البنية هي دببة غير متخصصة وتنتشر على نطاق واسع عبر أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.

عاشت برونو خلال فترة تغير المناخ بعد ذروة فترة بين الجليديين الدافئة عندما كانت درجات الحرارة ومستويات سطح البحر أعلى بكثير مما هي عليه الآن. يمكن توقع ظروف مماثلة في المستقبل نتيجة للتغير المناخي السريع الناتج عن حرق الوقود الأحفوري والأنشطة البشرية الأخرى. مع انخفاض الجليد البحري في القطب الشمالي، تكافح العديد من جمهرات الدببة القطبية من أجل البقاء.

قال المؤلف المشارك إيان ستيرلنغ، وهو عالم أحياء متخصص في الدببة القطبية وعالم باحث لدى إدارة البيئة والتغير المناخ في كندا «إذا استمر الاحترار السريع وغير الطبيعي الذي يسببه الإنسان في القطب الشمالي والموثق يوميًا، فإن بقاء موطن جليدي بحري للدببة القطبية لتعيش وتستمر وراثيًا ليس أمرًا مضمونًا».

وفقًا لشابيرو «ليس مفاجئًا أن نرى اختلاط جديد اليوم مع تغير المناخ وتداخل هذه الأنواع والتقائها ببعضها البعض مرة أخرى في البرية. يسمح تغير المناخ بتدفق الجينات بين أنواع مختلفة حسب اعتقادنا».

التحولات المناخية التي جمعت الدببة القطبية والبنية معًا في الماضي تشمل الفترات الجليدية عندما كان الجليد البحري أكثر اتساعًا، ما سمح للدببة القطبية بالاختلاط مع الدببة البنية في جنوب شرق ألاسكا وجزر الكوريل وحتى أيرلندا. اكتسبت الدببة البنية (التي انقرضت الآن في أيرلندا) في هذه المواقع جينات إضافية من الدب القطبي زيادةً على مزج الجينات القديم الذي كشفه جينوم برونو.

أما بالنسبة لما اكتسبته الدببة البنية من أسلافها القطبية، فليس أمام العلماء إلا التكهن. وقال شابيرو: «من المحتمل أن تكون الدببة البنية قد اكتسبت أمرًا عظيمًا من الدببة القطبية، لكن لا يمكننا الجزم في هذه المرحلة».

كان العثور على جمجمة برونو صدفة محض. كان المؤلفون المشاركون باميلا غروفز ودانييل مان ومايكل كونز من جامعة ألاسكا فيربانكس يسيرون على ساحل بحر بوفورت في عام 2009 بهدف استقصاء تآكل ساحلي آنذاك عندما عثروا صدفةً على الجمجمة أعلى خط المد العالي.

قال غروفز «لم نكن حتى نبحث عن العظام، إذ عادةً ما نجد عظامًا قديمة على بعد مئة ميل داخلًا حيث تُحفظ في تربة صقيعية على طول الأنهار الهادئة». نظرًا لأن الدببة القطبية تقضي معظم حياتها في البحر، فإن العثور على بقايا دب قطبي أمر غريب للغاية. برونو هي الجمجمة القديمة الوحيدة المسجلة والعائدة لدب قطبي والعظم القديم الوحيد المعروف لدب قطبي من أمريكا الشمالية.

قالت ليزلي ريسلر، مديرة البرنامج في مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، التي مولت البحث «إن فهم آلية دفع التغيرات المناخية السابقة للتفاعلات بين الكائنات الحية أمر بالغ الأهمية للتنبؤ بالكيفية التي ستؤدي بها التغييرات الحالية لخلائط جديدة أو زيادة انتقال الأمراض أو التأثير على الموارد الطبيعية أو المجتمع».

ومن المؤلفين المشاركين الآخرين جيما موراي من جامعة كامبريدج. أليسا فيرشينينا، ميغان سبل، جوشوا كاب، راسل كوربيت ديتيج، سارة كرامب، وريتشارد غرين في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز؛ كريستين ليدر من جامعة واشنطن، سياتل؛ ولاف دالين في المتحف السويدي للتاريخ الطبيعي في ستوكهولم.

دُعم هذا العمل جزئيًا من قبل مؤسسة العلوم الوطنية والمكتب الميداني في القطب الشمالي التابع لمكتب إدارة اليابسة.

 

ترجمة: حاتم زيداني

المصدر: sciencedaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *