
في دراسة جديدة منشورة في مجلة ساينس Science، قدّم فريق بحثي دولي من مركز حفريات الفقاريات بجامعة المنصورة (مصر)، وجامعة جنوب كاليفورنيا (الولايات المتحدة)، توصيفًا لنوع أحفوري جديد من القردة هو Masripithecus moghraensis، والذي اكتُشف في موقع وادي المغرة شمال مصر ويعود إلى نحو 17-18 مليون سنة (العصر الميوسيني المبكر). وتمثل هذه البقايا أول توثيق مؤكد لوجود القردة في شمال إفريقيا، ما يوسّع النطاق الجغرافي المعروف لها، ويمنح مصر والشرق الأوسط موقعًا محوريًا في مرحلة مفصلية من تاريخ تطور وظهور القردة الحديثة.
البحث عن حلقة أحفورية مفقودة
أوضح هشام سلام، عالم الحفريات بجامعة المنصورة والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الفريق أمضى خمسة أعوام في البحث عن هذا النوع من الأحافير، نظرًا لما يكشفه التمعّن في شجرة عائلة القردة العليا من وجود حلقة مفقودة، ويرجّح أن تكون هذه الحلقة في شمال إفريقيا.
اقتصرت في السابق اكتشافات مواقع العصر الميوسيني المبكر في شمال إفريقيا على أحافير قرود دون قردة، ما عزّز الاعتقاد بأن القردة المبكرة وأقرب أقربائها كانت محصورة في الأجزاء الجنوبية من القارة خلال تلك الحقبة. ورغم تسجيل أحافير قردة أحدث عمرًا في إفريقيا وآسيا وأوروبا، لا تزال علاقاتها وأصولها الجغرافية محل نقاش علمي. ويبدو الآن أن عدم انتظام السجل الأحفوري قد حال دون فهم دقيق لنشأة مجموعة البشرانيات (Hominoidea) التاجية، التي تضم جميع القردة الحية من الجبونات وإنسان الغاب إلى الغوريلا والشمبانزي والإنسان إلى جانب سلفها المشترك الأخير.
يشير اكتشاف Masripithecus عن وجود القردة في شمال إفريقيا خلال تلك الفترة، ويُظهر أن هذا النوع يختلف بوضوح عن الأنواع المعاصرة له في شرق إفريقيا. ويجمع اسم الجنس بين (مصر) والكلمة اليونانية بيثيكوس (píthēkos) بمعنى قرد، بينما يشير اسم النوع إلى موقع وادي المغرة، الذي عُثر فيه على البقايا خلال أعمال ميدانية لفريق مختبر العالِم سلام في عامي 2023 و2024.
ورغم اقتصار المادة الأحفورية على الفك السفلي، فإنها تحتفظ بمجموعة مميزة من السمات/المعطيات غير المعروفة في أي قرد آخر من الفترة نفسها، من بينها أنياب وضواحك كبيرة الحجم، وأضراس ذات أسطح مضغ مستديرة وخشنة، إضافة إلى فك قوي البنية بشكل ملحوظ.
دلائل من الأسنان والنظام الغذائي
تشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى أن Masripithecus كان مهيّأً لتكيّفٍ مرن. وتفسّر الدراسة بنية جهاز المضغ لديه بوصفها دليلًا على نظام غذائي متنوع يعتمد أساسًا على الفاكهة، مع القدرة على هضم أطعمة أكثر صلابة مثل المكسرات أو البذور عند الضرورة. وقد أتاحت هذه المرونة لهذا النوع القدرة على الازدهار في فترة شهدت تغيرات مناخية أدت إلى تزايد الوضوح الموسمي في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وفقًا لما أوضحته شروق الأشقر، الباحثة في مركز حفريات الفقاريات بجامعة المنصورة، وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة.
غير أن البنية التشريحية لا تمثل سوى جزءًا من الصورة الكاملة. إذ يحتل Masripithecus موقعًا محوريًا ضمن شجرة تطور القردة. فقد اعتمد الفريق البحثي على نماذج بايزية متقدمة (Bayesian methods) لدمج الأدلة التشريحية المستمدة من القردة الحية والمنقرضة، إلى جانب البيانات الجينية للقردة المعاصرة، والتأريخ الجيولوجي للأحافير، بهدف إعادة بناء العلاقات التطورية وتحديد أزمنة التفرع بينها. وأظهرت نتائج التحليل أن Masripithecus أقرب صلةً بالقردة الحية مقارنةً بأي نوع معروف من العصر الميوسيني المبكر في شرق إفريقيا.
وتشير تحليلات التوزع الجغرافي الحيوي إلى أن شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمثّلان على الأرجح الموطن الأصلي للسلف المشترك لجميع القردة الحية، والذي يُقدَّر أنه عاش خلال الميوسيني المبكر. وخلال تلك الحقبة، احتلت هذه المنطقة موقعًا جيولوجيًا حاسمًا مع تحرّك الصفائح الإفريقية والعربية شمالًا في المرحلة النهائية من اصطدامها بالقارة الآسيوية. وقد أسهمت تقلبات مستويات البحار في تقليص الحواجز البحرية بصورة دورية، مما حوّل المنطقة إلى ممر طبيعي لهجرة وانتشار الكائنات الحية.
ضمن هذا السياق، يكتسب Masripithecus أهمية خاصة بوصفه الحلقة المفقودة التي تربط بين السجلين الأحفوريين الإفريقي والأوراسي، ويقدّم دليلًا على أن تنوع القردة كان قد بدأ بالفعل داخل هذه المنطقة، ما أتاح لها التوسع لاحقًا نحو أوروبا وآسيا فور توافر الروابط البرية.
جزء من الفك السفلي لـ Masripithecus moghraensis مع الضرس الثالث الأيمن (M3) لحظة اكتشافه. حقوق الصورة: العالِم هشام سلام
تحوّل في فهم أصول القردة
أوضح إريك سايفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا وأحد المشاركين في الدراسة، أن هذا الاكتشاف غيّر تصوّره حول أصول القردة، قائلًا: «كنت أرجح طوال مسيرتي العلمية أن السلف المشترك للقردة الحية عاش في شرق إفريقيا أو بالقرب منها. غير أن هذا الاكتشاف الجديد، إلى جانب تحليلاتنا الحديثة لتطور البشرانيات وجغرافيتها الحيوية، يطرح تشكيكًأ قويًا لهذا التصور، مع الإشارة إلى أن هذا الاستنتاج لا يعتمد على Masripithecus وحده، وإن كان متوافقًا معه بدرجة كبيرة.
ويتوقع الباحثون أن تسهم عمليات التنقيب المتجددة في هذه المنطقة في الكشف عن مزيد من الأحافير ذات الأهمية الكبرة لفهم نشأة القردة الحديثة وتنوعها المبكر. ويؤكد هذا الاكتشاف أن أجزاءً مهمةً من السجل التطوري لا تزال غير مكتشفة، خاصةً في مناطق لم تحظَ بدراسة كافية حتى الآن.
ترجمة: علاء شاهين.