
لطالما شكّلت جزر غالاباغوس مسرحًا لاكتشافات غيّرت فهمنا للتطوّر منذ زمن تشالرز داروين. واليوم، يبرز اكتشاف حديث يضيف فصلًا جديدًا، إذ قدّم الباحث وأحد خريجي جامعة ولاية سان فرانسيسكو إزرا مينداليس توصيفًا لنوع مستقل من الطيور ضمن أطروحته للماجستير لعام 2023. ويصف تجربته قائلًا: «أشعر بقدر كبير من الحظ في هذا المشروع؛ لقد صادفنا قصة علمية مميّزة ونادرة بحق»، وقد أُنجز هذا العمل بالتعاون مع الأستاذ المشارك خايمي تشافيس، وأمين قسم علم الطيور في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم جاك دومباشر.
توصل الفريق إلى أن طير البلشون (مالك الحزين الحِممّي) الشائع في غالاباغوس (Butorides sundevalli) يُمثّل نوعًا مستقلًا، ما يُقوّض افتراضًا استمر عقودًا باعتباره مجرد سلالة فرعية من المالك الحزين المخطّط في أمريكا الجنوبية. وأشار دومباشر -الذي يشارك تشافيز المختبر وكان عضوًا في لجنة مناقشة أطروحة مينداليس- إلى أن «الغالبية العظمى من علماء الطيور الأحياء لم يشاركوا يومًا في وصف نوع جديد». وقد نُشرت الدراسة في مجلة Molecular Phylogenetics and Evolution.
لغز ظاهر للعيان
يُعد طائر البلشون (مالك الحزين الحممّي) أحد 72 نوعًا جديدًا جرى توصيفها مؤخرًا من قبل باحثي أكاديمية كاليفورنيا بالتعاون مع زملائهم. وعلى خلاف العديد من الاكتشافات التي تكشف أنواعًا خفية، فإن هذا الطائر مألوف الوجود في جزر غالاباغوس.
وأوضح تشافيس أن هذا الطائر «دائمًا ما يُظهر تباينًا واضحًا في ريشه، ما أثار تساؤلات مستمرة حول ما إذا كان نوعًا مستقلًا أم سلالة فرعية لطائر يعيش في البرّ الرئيسي». وقد دُرست هذه الطيور لعقود، واعتمدت محاولات التفسير على الصفات الشكلية وأنماط الريش، دون التوصل إلى إجابة قاطعة.
عند انضمام مينداليس إلى مختبر تشافيس، تولّى هذه المسألة. وفي عام 2022، توجّه الفريق الثلاثي إلى غالاباغوس لجمع عينات. حينها احتاج الباحثون إلى بيانات أوسع لتحليل المسار التطوري لهذه الطيور، لا سيما من مواقع متعددة على امتداد زمني، ولرصد التنوع الكامل في ريشها، لذا أُدرجت عينات من أكاديمية كاليفورنيا، والمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، ومتحف فيلد ضمن قاعدة البيانات.
في مركز علم الجينوم المقارن التابع للأكاديمية، استخدم مينداليس تحليلات وراثية متقدمة لدراسة الحمض النووي للطائر. وأظهرت النتائج أن طائر البلشون (مالك الحزين الحممّي) هو نوع مستقل، ويرتبط وراثيًا بمالك الحزين الأخضر في أمريكا الشمالية أكثر من ارتباطه بنظيره في أمريكا الجنوبية، ما يتعارض مع الاستنتاجات السابقة المبنية على الشكل الخارجي.
وأوضح مينداليس: «بالنسبة لأي عالم أحياء، يُعد الوصول إلى غالاباغوس حلمًا. وما زلنا نتعلم الكثير حتى في أكثر الأنظمة البيئية المدروسة؛ إذ تظل هناك دائمًا ألغازٌ بحاجةٍ إلى تفسير».
تلاقي المسارات العلمية
زار تشافيس، وهو من الإكوادور، جزر غالاباغوس لأول مرة برفقة عائلته في سن السادسة، وأصبحت طبيعة الجزر وسكانها وثقافتها عناصر ثابتة في حياته. ويُشكّل هذا الارتباط المستمر دافعًا لأبحاثه وعمله المجتمعي في تلك الجزر، بما في ذلك تدريب المرشدين السياحيين.
وأشار تشافيس إلى أهمية التعاون المحلي قائلًا: «لا بد من التعاون مع السكان المحليين، كونهم الأكثر إلمامًا بالطيور على أرض الواقع». وقد تمثلت هذه الخبرة في جايسون كاستانييدا، حارس المتنزه الوطني في غالاباغوس، الذي ساعد الفريق في اصطياد البلشون لجمع عينات الدم. يضيف تشافيس: «يعدّ جايسون شريكًا مؤلفًا في الدراسة نظرًا لإسهامه الجوهري فيها».
ورغم أن غالاباغوس تجذب الطلاب إلى المختبر، ينسب مينداليس -طالب الدكتوراه الحالي في جامعة مونتانا- الفضل لمشرفه؛ إذ تعرّف إلى تشافيس عام 2015 خلال رحلة جامعية وأٌعجِب بخبرته، قبل أن يلتحق بجامعة ولاية سان فرانسيسكو لإتمام دراساته للماجستير.
يقول مينداليس: «إن الوصول إلى خبرات أعضاء هيئة التدريس في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، والموارد البحثية في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم يشكّل تكاملًا علميًا مثاليًا».
كان دومباشر، الذي يشغل منصبه في الأكاديمية منذ عام 2003، مطّلعًا على خبرات تشافيس قبل أن يتولى منصبه أستاذًا في جامعة ولاية سان فرانسيسكو. وقد جاء تأسيس مختبرٍ مشترك لدراسة جزر غالاباغوس بوصفه امتدادًا طبيعيًا لاهتماماتهما المشتركة وتعاونهما العلمي. وتنفرد أكاديمية كاليفورنيا للعلوم باحتضان أكبر مجموعةٍ عالمية من العينات العلمية المأخوذة من جزر غالاباغوس، والتي يعود تاريخها إلى عام 1905.
وقال دومباشر موضحًا: «إن العمل مع خايمي يُعدّ من أكثر التجارب إمتاعًا في مسيرتي المهنية، ومن النادر جدًا أن يجد باحثٌ يعمل في متحفٍ شريكًا بحثيًا يتوافق معه بهذا القدر».
جذور الهدف البحثي
أشار دومباشر إلى أن طلاب جامعة ولاية سان فرانسيسكو يتمتعون بفرص لا تتوافر لغيرهم في العديد من المختبرات، مؤكدًا أن قوة الشراكة بين الجامعة وأكاديمية كاليفورنيا للعلوم تكمن في هذا التكامل. إذ يستفيد الطلاب من ارتباط الأكاديمية بقطاع التقانة الحيوية، وبالمؤسسات البحثية المحلية، وبالشركات المطوّرة للتقنيات الحديثة. وأضاف: «كان من اللافت متابعة تطور باحث مثل إزرا مينداليس، والذي كان مهتمًا في البيولوجيا الجزيئية، لكن دون خلفيّة تُذكر في المخابر، ليحقق بعدها تقدمًا سريعًا خلال فترة قصيرة».
من جانبه، يرى مينداليس أن هذه التجربة لم تقتصر على إتاحة الموارد والخبرات، بل تجاوزت ذلك بكثير. فقد أدرك مشرفوه في جامعة ولاية سان فرانسيسكو تنوّع الخلفيات التي يحملها الطلاب، وساعدوه على توجيه هذه الخبرات نحو فهم أعمق لغاياته. كما شجعوه على التفكير في الدوافع الجوهرية وراء عمله، موضحًا: «ما ساعدوني عليه هو الوصول إلى جذر هدفي، ليس فقط ما هو هدفي، بل ماذا أريد من الحياة».
هذا التحول يعكس أيضًا تجربة تشافيس نفسه. فقبل أن يصبح أستاذًا مشرفوه في جامعة ولاية سان فرانسيسكو عام 2020، كان طالبًا فيها طالبًا لمرحلة الماجستير عامل 2002، حيث دخل عالم البحث دراسته للطيور الطنانة مع البروفيسورة غريتشن ليبون.
وأوضح تشافيس: «دخلت برنامج الماجستير برؤية مختلفة، لكن بعد أول يوم عمل مع تقنيات تحليل الحمض النووي بمساعدة الباحث رافيندر سيغال – باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ولاية سان فرانسيسكو آنذاك-، تغيّر تصوري للبحث العلمي بشكل جذري». ومنذ ذلك الحين، يعتمد تشافيس على الأدوات الجينية في دراسة تطوّر الطيور.
وأشار دومباشر إلى أن قسم الأحياء في الجامعة يمتلك سجلًا متميّزًا في تأهيل طلاب الماجستير للالتحاق ببرامج الدكتوراه، ويعزو ذلك إلى توافر بيئة تعليمية تجمع بين جودة الطلاب وتميّز مستوى الأساتذة، إضافةً إلى وجود نمط خاص من الأكاديميين القادرين على الجمع بين البحث المتقدم والتدريس الفعّال، مع التزام حقيقي بالعملية التعليمية.
ترجمة: علاء شاهين.