دراسة جديدة تكشف تنوّع النظام الغذائي لجماعة من أشباه البشر في موقع «سيما دي لوس هويسوس»

الضرس العلوي من موقع سيما دي لوس هويسوس (يسارًا): العيّنة AT-3177. ويُظهر النموذج ثلاثي الأبعاد (يمينًا) مناطق تآكل الأسنان الناتجة عن عملية المضغ، والتي تتيح الاستدلال على نمط التغذية لدى هذه الجماعة. حقوق الصورة: لورا مارتين-فرانسيس.
الضرس العلوي من موقع سيما دي لوس هويسوس (يسارًا): العيّنة AT-3177. ويُظهر النموذج ثلاثي الأبعاد (يمينًا) مناطق تآكل الأسنان الناتجة عن عملية المضغ، والتي تتيح الاستدلال على نمط التغذية لدى هذه الجماعة. حقوق الصورة: لورا مارتين-فرانسيس.

كشفت دراسة أجراها باحثو المركز الوطني لأبحاث التطور البشري (CENIEH)، ونُشرت حديثًا في مجلة Journal of Human Evolution، عن تفاصيل جديدة تتعلق بنمط عيش الجماعات البشرية القديمة في موقع «سيما دي لوس هويسوس» (سييرا دي أتابويركا، بورغوس). اعتمدت الدراسة على إعادة بناء العادات الغذائية استنادًا إلى أنماط التآكل الظاهرة على الأسنان، وقد سعَت الدراسة للإجابة عن سؤال فيما إذا كانت آثار تآكل الأسنان هذه تعكس الظروف البيئية خلال العصر الجليدي المعروف باسم MIS 12، وهي حقبة شهدت ذروة البرودة العالمية الذي يُعتقد أنه تسبب في انتشار واسع للغطاء النباتي شبه القاحل في شبه الجزيرة الأيبيرية قبل نحو 450 ألف عام.

يُصنف أشباه البشر من موقع «سيما دي لوس هويسوس» الذين استوطنوا جبال أتابويركا خلال العصر الجليدي بوصفهم الأقرب صلة لإنسان النياندرتال. وبناءً على التشابه المورفولوجي بين المجموعتين، ساد افتراض بوجود سلوكيات غذائية متماثلة تعتمد بشكل رئيسي على اللحوم. لذا، كان من المتوقع ظهور نمط تآكل يشبه ما تظهره المجتمعات التي تعيش في بيئات باردة، حيث يمثل البروتين الحيواني المصدر الأساسي للغذاء. بيد أن النتائج كشفت عن تفاوت في نمط التآكل ما يشير إلى استهلاك متوازن/متقارب للموارد النباتية والحيوانية على حد سواء.

وتوضح الباحثة والمؤلفة الرئيسية في الدراسة، لورا مارتين-فرانسيس، من مركز CENIEH وجامعة موناش في أستراليا، أن «الأضراس العلوية لدى أفراد مجتمع SIMA تتميّز بميلانٍ أوضح لأسطح التآكل مقارنةً بمجتمعات أخرى، وهو ما يشير إلى نظام غذائي أقل خشونة».

وتشير هذه الاستنتاجات مجتمعة إلى أن أفراد مجتمع SIMA عاشوا في بيئة تهيمن عليها الغابات المفتوحة وظروف بيئية مستقرة نسبيًا، خلافًا للقسوة المناخية المرتبطة تقليديًا بالعصر MIS 12، وتؤكد النتائج تنوع نظامهم الغذائي، مما يقوض فرضية الاعتماد الحصري على اللحوم.

التحليل الرقمي

شمل تحليل تآكل الأسنان 16 ضرسًا علويًا خضعت للفحص باستخدام التصوير المقطعي الدقيق (micro-CT). جرى توليد نماذج ثلاثية الأبعاد لكل سن، وباستخدام برمجيات متخصصة مثل (PolyWorks V. 12, InnovMetric, Quebec, Canada)، من خلالها، تم تحديد ورقمنة وقياس أسطح التآكل. وتضمنت الدراسة عينة مقارنة شملت إنسان النياندرتال من مناطق وأزمنة مختلفة، فضلًا عن مجتمعات حديثة من الصيادين وجامعي الثمار، بما في ذلك الإينويت في ألاسكا وسكان أستراليا الأصليين.

دلالات تآكل الأسنان

يعكس التآكل الكبير في الأسنان تكيفًا غذائيًا ينتج عن حركات مضغ محددة تُستعمل لمعالجة أطعمة بخصائص مختلفة. وخلال المضغ، يؤدي الفك حركتين رئيسيتين تُنشئان أسطح تآكل مستوية ومصقولة على مناطق بعينها في سطح السن. فحركات المضغ الجانبية، المرتبطة بطحن النباتات القاسية والخشنة، تخلّف أسطح تآكل أكثر على الجانب الداخلي (اللساني) للأضراس العلوية، في حين يُظهر الأفراد الذين يستهلكون كميات أكبر من اللحوم حركات عمودية أكثر للفك السفلي، ما يؤدي إلى زيادة أسطح التآكل على الجوانب الخارجية (الخديّة). ولا يعبّر هذا التوزيع عن تفضيلات غذائية فحسب، بل الظروف البيئية وتوافر الموارد.

وعليه، فإن المجتمعات المختلفة التي تعيش في بيئات متشابهة تُظهر أنماط تآكل متقاربة، في حين أن المجتمعات التي سكنت البيئات الباردة، حيث كان الغذاء محدودًا ويعتمد أساسًا على الموارد الحيوانية، تُظهر أنماطًا مختلفة.

وتختتم مارتين-فرانسيس بالقول: «أظهر تحليلنا لتآكل أسنان أشباه البشر في موقع سيما دي لوس هويسوس نسبًا متقاربة من أسطح التآكل على الأضراس، ما يدلّ على استهلاك متوازن للمنتجات النباتية واللحوم، ويطعن في الرأي التقليدي الذي يصفهم بأنهم جماعات فائقة الاعتماد على اللحوم فقط».

المصدر

ترجمة: علاء شاهين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *