
تكشف دراسة منشورة في مجلة PLOS Genetics عن الكيفية التي نشأ بها جين dm-w لدى الضفادع، وهو جين تطوّر من أصل وراثي قديم يُعد عنصرًا رئيسيًا في تنظيم التمايز الجنسي لدى البشر وكثير من الفقاريات. وتكشف الدراسة كيف تتبدل وظيفة الجين الواحد بمرور الزمن وبأنماط متباينة جذريًا، بناءً على وجوده في فرد ذكر أو أنثى.
وقال المؤلف الرئيس المشارك، بن إيفانز، زميل مركز ويتمان في مختبر الأحياء البحرية (MBL) وأستاذ الوراثة التطوّرية في جامعة ماكماستر: «من منظور تطوّري، ما الذي يمكن أن يكون أكثر أهميةً من التكاثر عدا البقاء على قيد الحياة؟ فلا بد من القدرة على تمرير الجينات إلى الأجيال اللاحقة». وأضاف أن تنظيم الخصوبة والتمايز الجنسي، رغم حساسيته البالغة، يمكن أن يتطوّر بوتيرة سريعة للغاية، رغم المخاطر الكبيرة المرافقة لأي تغيير.
وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون بحثي امتد لعقدٍ كامل بين فريق إيفانز وفريق ماركو هورب في مركز المورد الوطني لضفادع زينوبوت (NXR) التابع لمختبر MBL، وهو مركز متخصّص في أبحاث الضفادع، يشرف عليه هورب بوصفه عالمًا أول في المختبر.
نظرة للوراء لتتبع المسار التطوّري
يحفز الجين dm-w لدى فصيلة الضفدع Xenopus laevis نمو الإناث، وبغياب تأثيره تتطور الضفادع لتصبح ذكورًا. سعى إيفانز وهورب إلى إعادة بناء تطور هذا الجين الذي ظهر حديثًا في هذه الفصيلة، علمًا بأنه مشتق من الجين السلف dmrt1 المسؤول عن تنظيم الصفات الجنسية الذكرية لدى البشر وحيوانات أخرى، لكن بقي السؤال مفتوحًا، كيف حدث ذلك؟
لقد تهيأت الظروف لظهور dm-w إثر حدث استثنائي وقع قبل نحو 20 مليون عامًا، حين اكتسب سلف هذه الضفادع X. laevis ضعف مادته الوراثية المعتادة، مما منح الفصيلة نسختين من كل جين تقريبًا. ونتيجة لذلك، امتلك الضفدع السلف نسختين من جين dmrt1، هما dmrt1.S و dmrt1.L.
ولاستكشاف كيفية تغيّر هاتين النسختين عبر الزمن وفي كلٍ من الذكور والإناث، قام الباحثون بتعطيل كلٍ من النسختين S وL في فصيلة X. laevis بصورة منهجية. كما عطّلوا جين dmrt1 في نوع قريب هو X. tropicalis، الذي يمثّل الشكل السلفي للفصيلة.
وكشفت هذه المقاربة عن تباعد لافت في التطور الوظيفي، حيث اتخذت كل نسخة مسارًا تطوّريًّا مختلفًا في الذكور مقارنةً بالإناث.
ففي الإناث، احتفظت النسخة L من dmrt1 بوظيفتها الأصلية. إذ إن إناث X. tropicalis، التي تمثّل الحالة السلفية، لم تنتج بويضات عند تعطيل الجين. وبالمثل، بدت إناث X. laevis التي تفتقر إلى dmrt1.L طبيعيةً ظاهريًّا، غير أن الفحص الداخلي كشف وجود دهون صفراء بدلًا من البويضات. ويعلّق إيفانز قائلًا: «عادةً، عند تشريح الأنثى، تكون البويضات في كل مكان».
أما في الذكور، فقد كان المشهد مختلفًا. إذ لم يؤثّر تعطيل جين dmrt1 في ذكور X. tropicalis. غير أن فقدان جين dmrt1.L في ذكور X. laevis أدّى إلى إنتاج حيوانات منوية غير طبيعية وبأعداد منخفضة جدًّا، ما يشير إلى أن هذا الجين اكتسب وظيفة جديدة.
ويضيف إيفانز: «أما بالنسبة لجين dmrt1.S، فقد بقي غير أساسي لإنتاج الحيوانات المنوية، كما كان الحال مع سلفه dmrt1. لكن في الوقت الذي كان فيه جين dmrt1 ضروريًا لإنتاج البويضات لدى فصيلة X. laevis، لم تعد النسخة S كذلك».
وأشار إيفانز إلى أن إحدى أبرز نتائج الدراسة تتمثّل في أن الجين ذاته يمكن أن يؤدي وظائف مختلفة بالكامل تبعًا لسياقه، وما إذا كان وجوده في فرد ذكر أو أنثى.
ويرى الباحثون أن هذا التحوّل، المتمثّل في عدم ضرورة النسخة S للخصوبة الأنثوية، أتاح مجالًا لتطوّر أكثر أهمية. فقد أصبح هذا الجين حرًّا في التطوّر دون الإضرار بالقدرة التكاثرية للحيوان. ومع مرور الوقت، خضعت النسخة dmrt1.S نفسها لعملية تضاعف جزئي، نتج عنها جين جديد هو dm-w، الذي تحوّل لاحقًا إلى المفتاح الرئيسي الجديد لتحديد الجنس في فصيلة X. laevis.
نقطة التحوّل الجينية في تحديد الجنس
أوضح إيفانز أن التحوّل إلى الجين dmrt1.S لدى الإناث دفع آلية تحديد الجنس إلى تجاوز نقطةٍ حرجة. ووفقًا له، اكتسبت إحدى نسخ هذا الجين، بعد أن أصبحت غير ضرورية وظيفيًا، القدرة على التأثير في النظام بأكمله الذي يحدّد ما إذا كان الكائن سيتطوّر بوصفه أنثى أو ذكرًا. ويشير بأن إنجاز هذه الدراسة لم يكن ممكنًا دون مركز NXR، إذ لم يكن بمقدوره تربية ضفادع زينوبوت اللازمة لهذه التجارب داخل مختبره الخاص. وبدلًا من ذلك، كان يزور مختبر MBL مرتين أو ثلاث مرات سنويًا، ويمكث لفتراتٍ بحثية مطوّلة.
وتولّى هورب وفريقه إنتاج الضفادع المعدّلة وراثيًا، والإشراف على رعايتها، إضافةً إلى التعاون مع إيفانز في تنفيذ التجارب.
ويقول هورب موضحًا دور مركز NXR: «نحن نعمل كمنصّة لدعم الباحثين في تطوير أبحاثهم، بحيث لا يضطرّون إلى الانشغال بمسائل التربية أو العناية بالحيوانات، فهذا هو مجال تخصّصنا».
ترجمة: علاء شاهين