عندما يُجبر الذكور على التنافس من أجل الإناث، تتشكل الأنواع الجديدة بوتيرة أسرع. أثبتت ذلك دراسة حديثة قارَن فيها الباحثون بين خنافس سُمح لها بالتزاوج بحرية ومجموعات أخرى من النوع نفسه كان التنافس على التزاوج فيها محدودًا. وتُظهر هذه التجارب، التي امتدت على مدى 40 عامًا وتتبعت 200 جيل من الخنافس ضمن سلالات مباشرة، مدى الأهمية الكبيرة للانتقاء الجنسي في نشوء الأنواع الجديدة.

تتشكّل الأنواع الجديدة عندما تتباعد المجموعات القائمة وتتحوّل إلى كيانات مستقلة. واليوم، يمكن للباحثين تتبّع هذه العملية مباشرةً عبر تحليل الحمض النووي، غير أن تحديد العوامل البيولوجية والعمليات الدقيقة التي تقود إلى تكوّنها ما يزال تحديًا كبيرًا.
ويعدّ الانتقاء الجنسي إحدى العمليات المقترحة هنا، وهو شكل من الانتقاء الطبيعي يُفضِّل الصفات التي تمنح ميزة تنافسية في التكاثر مع أفراد الجنس نفسه، لا في البقاء على قيد الحياة.
فالذكور، على سبيل المثال، غالبًا ما تطور ألوانًا زاهية لجذب الإناث أو أسلحة لصد المنافسين.
يكون الانتقاء الجنسي أقوى في المجموعات الحيوانية التي تتزاوج فيها أنثى واحدة مع عدة ذكور، ما يشعل منافسة شرسة بين الذكور على تخصيب بيضها. أما عندما يقتصر التزاوج على مرة واحدة، كما لدى التم الأخرس وأنواع عديدة من البعوض، فيصبح هذا الانتقاء أضعف بكثير.
يمكن رصد المرحلة الأولى من تكوين الأنواع في المختبر. غير أن تكوين الأنواع عملية تستغرق زمنًا طويلًا، ما يصعّب مراقبة هذا التطور مباشرةً لدى الحيوانات والنباتات في الوقت الفعلي. وقد تمكن فريق بحثي من جامعتي أوبسالا وبلغراد من تجاوز هذا التحدي عبر دراسة طويلة الأمد لنوع من الخنافس، هي خنفساء الفاصولياء الجافة Acanthoscelides obtectus.

ومن خلال مقارنة مجموعات من الخنافس سُمح لها بالتزاوج بحرية مع مجموعات أخرى جرى فيها تقييد التنافس على التزاوج على مدى 200 جيل، تمكّن الباحثون من ملاحظة أن هذه المجموعات تطورت في مسارات مختلفة. نُشرت الدراسة في مجلة رسائل التطور.
وقال الباحثون: «أشارت أبحاث سابقة إلى أن التنافس بين الذكور يؤدي دورًا مهمًا في تكوين أنواع جديدة. وما يميز دراستنا هو قدرتنا على تأكيد ذلك عبر تجارب مخبرية مستمرة منذ عام 1986»
مع أن تطور الأنواع الجديدة يتطلب أكثر من 200 جيل، باتت دلائل المراحل الأولى لتكوين الأنواع واضحة. فقد انتهت المجموعات التي تطورت في ظل انتقاء جنسي قوي إلى أن تكون أكثر تباينًا فيما بينها، سواء على المستوى الجيني أو في الخصائص التناسلية.
يقول غوران أرنكفيست، أستاذ علم البيئة الحيوانية في قسم علم البيئة وعلم الوراثة والمؤلف الرئيسي للدراسة: «لاحظنا أيضًا أن تطورها في اتجاهات مختلفة كان أسرع بأكثر من الضعف عندما كان الانتقاء الجنسي قويًا».
في عام 1986، قسّم الباحثون مجموعة كبيرة من هذه الخنافس إلى مجموعتين أصغر، تطورت إحداهما في ظل ظروف انتقاء جنسي قوي، والأخرى في ظل ظروف انتقاء جنسي ضعيف، وذلك على مدى نحو 200 جيل ضمن سلالات مباشرة. أُتيح لإناث المجموعة الأولى التزاوج مع عدة ذكور مختلفة، ما أفضى إلى انتقاء جنسي قوي، بينما سُمح للإناث في المجموعة الثانية بالتزاوج مرة واحدة فقط، الأمر الذي قلّل من حدة التنافس بين الذكور.
أظهرت النتائج أن الذكور التي تطورت في ظل انتقاء جنسي قوي تتميز بحجم أكبر، وتتزاوج بوتيرة أعلى ولمدّة أطول، مع تغيّرات في بروتينات الحيوانات المنوية المسؤولة عن تخصيب البويضات.
في الحيوانات ذات الإخصاب الداخلي، لا ينقل الذكر الحيوانات المنوية أثناء التزاوج فحسب، بل يرافقها أيضًا مزيج معقد من البروتينات والببتيدات. ويُعد هذا المزيج البروتيني عنصرًا حاسمًا في تحديد أي حيوان منوي سيخصّب البويضة. ويقول أرنكفيست إن هذا المزيج شهد تغيرات أكبر لدى خنافس البذور التي تطورت في ظل ظروف انتقاء جنسي قوي، وينطبق الأمر ذاته على المستقبلات الموجودة في أجسام الإناث.
يقود هذا النوع من التغيرات الطفيفة، على المدى البعيد، إلى نشوء أنواع جديدة.
يشكّل هذا المزيج البروتيني، إلى جانب الريش الجميل الذي ينمو لدى ذكور بعض الأنواع، خصائص مرتبطة بالنجاح التناسلي، ويمكن أن يدفع مسار التطور إلى الأمام. لكن 200 جيل لا تكفي وحدها؛ أما عند الحديث عن 20 ألفًا أو 200 ألف جيل، فقد تصبح المجموعات السكانية مختلفة إلى حدٍّ يمنعها من التزاوج فيما بينها.
يقول أرنكفيست: «على سبيل المثال، لوحظ لدى الحشرات والأسماك أن عدد الأنواع يكون أكبر في المجموعات التي يتميز فيها الذكور بألوان زاهية أو بزخارف واضحة، مقارنةً بالمجموعات التي تبدو فيها الأجناس أكثر تشابهًا».
ترجمة: علاء شاهين
المصدر