كان إشعال النار عند الحاجة إنجازًا بارزًا في حياة أسلافنا الأوائل، لكن تحديد متى ظهرت هذه المهارة لأول مرة ظلّ مسألة معقدة بالنسبة للعلماء.
تخيّل أن تحاول إشعال نار من دون أعواد ثقاب أو ولاعة؛ سرعان ما سيهاجمك البرد والجوع. وتشير أدلة حديثة إلى أن أشباه البشر القدماء كانوا قد أتقنوا هذه المهارة قبل نحو 400 ألف عام، أي أبكر بنحو 350 ألف عام مما افترضه العلماء سابقًا.
لطالما اهتم الباحثون الذين يسعون إلى فهم حياة أسلافنا بتقنيات إشعالهم للنار. يعتقد الباحثون أن مع تطور قدرة أشباه البشر القدماء على التحكم بالنار، طرأت عليهم تغييرات جسدية، إذ تقلص حجم معدتهم وازدادت قدراتهم العقلية بفضل الطهي الذي مكّنهم من استقلاب الطعام بسهولة أكبر، فضلًا عن حدوث العديد من التغييرات الاجتماعية، إذ أصبح بإمكان الأفراد بناء علاقات أكثر تعقيدًا حول الموقد.
لكن، من الصعب العثور على آثار استخدام النار، ما يُحبط محاولات علماء الآثار الساعية لتحديد تاريخ هذه التطورات. تقول سارة هلوبيك، عالمة الآثار القديمة في كلية سانت ماري بولاية ماريلاند: «مواد مثل الرماد والفحم خفيفة جدًا، وتتحرك بسهولة بالغة، وتختفي الكثير من الأدلة المرتبطة بها».
إضافةً إلى ذلك، يصعب الجزم بما إذا كان أشباه البشر القدماء قادرين على إشعال النار بأنفسهم، أم أنهم كانوا يلتقطونها من مصادر طبيعية مثل الصواعق ثم يحافظون عليها. ويعتقد العلماء عمومًا أن بعض أسلاف الإنسان في أفريقيا استخدموا النار منذ نحو 1.5 مليون سنة، لكن الخلاف ظل قائمًا حول قدرتهم على إشعالها ذاتيًا في تلك الحقبة السحيقة. وحتى وقت قريب، كان أقدم دليل مباشر على إشعال النار يعود إلى فترة أحدث بكثير، لا تتجاوز 50 ألف سنة مضت.
تقول إيمي كلارك، عالمة الآثار بجامعة هارفارد: «قبل رؤية هذا الاكتشاف، كنت سأقول لا، لم يكن الناس يشعلون النار في تلك الفترة».
يأتي الدليل الجديد من موقع بارنهام في إنجلترا، الذي ينقّب فيه العلماء منذ عقود. لاحظ الباحثون بقعة من التربة ذات لون أحمر غير عادي، وهي سمة معروفة بظهورها عند تسخين التربة بشكل متكرر. أكدت الاختبارات أن هذه المادة تشكلت في مكانها نتيجة تسخينها المتكرر إلى درجات حرارة تتراوح بين 400 و750 درجة مئوية (752 إلى 1382 درجة فهرنهايت)، دون وجود أي نشاط ناري محتمَل في المنطقة.

كشفت الحفريات المتواصلة عن أربعة فؤوس يدوية حجرية تحطمت بفعل النار. والأهم من ذلك كله، اكتشف الباحثون شظيتين صغيرتين من البيريت الحديدي. هذا المعدن، الذي لا يوجد بشكل طبيعي في نطاق 16 كيلومترًا تقريبًا من موقع بارنهام، قادر على إحداث شرارات عند اصطدامه بحجر الصوان.
لم يكن هذا الاكتشاف مثاليًا، هذا اكتشافًا مثاليًا؛ ففي عالم مثالي، كان الباحثون سيجدون أيضًا آثارًا متبقية على الصوان والبيريت من عملية إشعال النار. لكنه، ومع ذلك، يظل دليلًأ غير مسبوق على استخدام النار في العصور القديمة.
يقول نيك أشتون، عالم الآثار في المتحف البريطاني والمشارك في إعداد الدراسة: «بالنسبة لي، يُشبه الأمر أن تعثر الشرطة في عصرنا الحالي على سيارة محترقة في منطقة حرجية نائية وبجانبها علبة بنزين فارغة، ثم تستنتج أن أحدهما مرتبط بالآخر».
حتى الباحثون غير المشاركين في الدراسة أقروا بأن الفريق توصل إلى اكتشاف مُقنع. وتقول جيليان مونيه، عالمة الآثار في جامعة مينيسوتا: «الأدلة على استخدام النار قوية جدًا. إنه اكتشاف نادر للغاية».
لم يُعثر على أي بقايا بشرية في الموقع، ما يُثير بعض الشكوك حول هوية من كان يُشعل النيران. عثر العلماء على جمجمة تحمل خصائص إنسان نياندرتال في منطقة أبعد جنوبًا في إنجلترا، لكن سكان موقع بارنهام كانوا، على الأرجح، من نوع إنسان هايدرلبيرغ، وهو نوع آخر من أشباه البشر الأوائل. جمع أفراد هذا النوع الماهر الثمار وأتقنوا الصيد، وعاشوا في مجموعات صغيرة لا تتجاوز اثني عشر شخصًا، ونادرًا ما التقوا بمجموعات أخرى.
يقول دينيس ساندغاث، عالم الآثار بجامعة سيمون فريزر في كولومبيا البريطانية، وغير المشارك في البحث الجديد: «بسبب نمط حياة أشباه البشر المنعزل، قد يكون تعميم نتائج موقع أثري واحد على جميع السكان خطأً كبيرًا». ويضيف أنه مقتنع بأن مكتشفات بارنهام تمثل بالفعل بدايات إشعال النار، لكنه يرى أن هذه التقنية كانت تُكتشف، وربما تُنسى، مرارًا في أماكن مختلفة على مدى مئات آلاف السنين التي يحاول العلماء من خلالها إعادة بناء التسلسل الزمني لإشعال النار.
ويضيف: «على أي حال، استكشف علماء الآثار عشرات المواقع العائدة إلى هذا الجزء من العصر الحجري القديم، والتي تمثل على مرّ الزمن مئات المجموعات البشرية القديمة. مع ذلك، لم يُعثَر على البيريت الحديدي، وهو «الدليل الدامغ» الذي يستند إليه البحث الجديد، في أي موقع آخر غير بارنهام. ولو كانت هذه التقنية منتشرة على نطاق واسع، لكان لا بدّ لأحد ما أن يلاحظها قبل الآن»، على حدّ قوله. ويتابع: «نحب جميعًا أن نعثر على قطعة من البيريت. سننقضّ عليها فورًا إذا عثرنا عليها».
المصدرAncient Humans Were Making Fire 350,000 Years Earlier Than Scientists Realized | Scientific American
ترجمة: علاء شاهين